الاتحاد من أجل الحرية والديمقراطية والمساواة​

البرلمان البريطاني يستمع إلى صوت إيران الأخرى في الوقت الذي تتواصل فيه محاولات بعض القوى الدولية البحث عن حلول لأزمة النظام الإيراني عبر المفاوضات أو الضغوط الدبلوماسية

البرلمان البريطاني يستمع إلى صوت إيران الأخرى

البرلمان البريطاني يستمع إلى صوت إيران الأخرى

في الوقت الذي تتواصل فيه محاولات بعض القوى الدولية البحث عن حلول لأزمة النظام الإيراني عبر المفاوضات أو الضغوط الدبلوماسية، تبرز داخل إيران معادلة مختلفة تماماً؛ معادلة تقوم على أن جوهر الأزمة لا يكمن في سلوك النظام فحسب، بل في طبيعة هذا النظام ذاته. ومن هنا جاءت الرسالة التي حملتها كلمة السيدة مريم رجوي أمام المؤتمر الذي عقد في البرلمان البريطاني، لتعيد التأكيد على أن التغيير الحقيقي في إيران لا يمكن أن يتحقق إلا على يد الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة.

تعيش إيران اليوم واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخها الحديث. فالأزمات الاقتصادية والاجتماعية بلغت مستويات غير مسبوقة، وأصبحت شرائح واسعة من المواطنين عاجزة عن تأمين أبسط متطلبات الحياة. وتتزايد معدلات البطالة والفقر بصورة مستمرة، بينما تتحمل النساء القسط الأكبر من الأعباء الناتجة عن هذه الأوضاع المتدهورة. وفي المقابل، يواصل النظام الاعتماد على القمع والإعدامات والاعتقالات وقطع الإنترنت باعتبارها أدواته الأساسية لإدارة المجتمع.

غير أن ما يلفت الانتباه هو أن هذا التصعيد الأمني لا يعكس قوة النظام بقدر ما يكشف حجم خوفه من المستقبل. فاعتقال الآلاف خلال الأشهر الأخيرة، وتصاعد حملات الإعدام ضد السجناء السياسيين وشباب الانتفاضة، يؤكد أن السلطة تدرك حجم الغضب المتراكم داخل المجتمع الإيراني. ولذلك فإنها تسعى بكل الوسائل إلى منع تشكل الظروف التي قد تؤدي إلى اندلاع موجة جديدة من الاحتجاجات.

وفي هذا السياق، يبرز الدور المتنامي لوحدات المقاومة ووحدات جيش التحرير التابعة للمقاومة الإيرانية، التي تواصل نشاطها داخل المدن الإيرانية رغم القمع الواسع. فالنظام نفسه بات يعترف، بشكل مباشر أو غير مباشر، بأن هذه الوحدات تمثل أحد أهم التحديات التي تواجهه، لأنها تعمل على تحويل حالة السخط الشعبي إلى فعل منظم قادر على الاستمرار والتوسع.

ومن هنا فإن الصراع في إيران لم يعد مجرد مواجهة بين حكومة ومعارضة، بل أصبح مواجهة بين مشروعين متناقضين لمستقبل البلاد. المشروع الأول يتمثل في نظام ولاية الفقيه الذي يحاول الحفاظ على سلطته عبر القمع والإعدامات وتصدير الأزمات. أما المشروع الثاني فيتمثل في رؤية تقوم على إقامة جمهورية ديمقراطية تستند إلى إرادة الشعب وصندوق الاقتراع وفصل الدين عن الدولة.

وفي الوقت نفسه، حذرت المقاومة الإيرانية من محاولات إعادة إنتاج الاستبداد تحت أي عنوان آخر، بما في ذلك الدعوات التي تروج لعودة نظام الشاه السابق. فالشعب الإيراني الذي ثار ضد ديكتاتورية الشاه لا يسعى إلى استبدال استبداد بآخر، بل يتطلع إلى بناء دولة حديثة تقوم على الحريات العامة والمساواة وسيادة القانون. ولهذا اكتسب شعار “لا للشاه ولا للملالي” مكانة خاصة داخل الحركة المطالبة بالتغيير، باعتباره تعبيراً عن رفض كل أشكال الحكم الاستبدادي.

لقد أثبتت التطورات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية أن الأزمات المرتبطة بإيران لا يمكن فصلها عن طبيعة النظام الحاكم. فالملف النووي، والتدخلات الإقليمية، ودعم الجماعات المسلحة، وسياسات التوتر الدائم، كلها ترتبط ببنية السلطة نفسها. ومن هذا المنطلق، ترى المقاومة الإيرانية أن معالجة هذه الملفات بصورة جذرية لا يمكن أن تتم من خلال التسويات المؤقتة، بل عبر التغيير الديمقراطي الذي يضع حداً لنظام ولاية الفقيه ويؤسس لإيران ديمقراطية وغير نووية.

وفي هذا الإطار، يكتسب إعلان المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية عن الحكومة المؤقتة أهمية سياسية متزايدة، لأنه يقدم تصوراً واضحاً لمرحلة الانتقال بعد سقوط النظام. فالمشروع المطروح لا يكتفي برفض الواقع القائم، بل يطرح بديلاً سياسياً يقوم على الانتخابات الحرة، والمساواة بين المرأة والرجل، وإلغاء عقوبة الإعدام، واحترام حقوق جميع المكونات الوطنية، وفصل الدين عن الدولة.

إن الرسالة التي خرجت من البرلمان البريطاني تتجاوز حدود التضامن السياسي مع المعارضة الإيرانية. فهي تعكس حقيقة باتت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: أن الاستقرار في إيران والمنطقة لن يتحقق عبر استمرار سياسة المساومة مع النظام، بل عبر دعم حق الشعب الإيراني في الحرية والتغيير الديمقراطي.

واليوم، وبينما يواصل النظام سياسة القمع والإعدامات، ويواصل الشعب الإيراني مقاومته رغم كل التضحيات، تبدو إيران أمام مفترق طرق تاريخي. فإما استمرار دائرة الاستبداد والأزمات، وإما فتح الطريق أمام جمهورية ديمقراطية تمثل تطلعات ملايين الإيرانيين الذين ما زالوا يدفعون ثمن الحرية من دمائهم ومستقبلهم.