حرس النظام الإيراني يبرر التراجع أمام واشنطن بـ«اتفاق شريف» وسط تصاعد المخاوف من الانفجار الداخلي
تعكس التحولات الأخيرة في خطاب حرس النظام الإيراني حجم الأزمة التي تعيشها السلطة في طهران، بعدما انتقلت من مهاجمة التفاهمات مع الولايات المتحدة واعتبارها «استسلاماً» إلى وصفها بـ«الاتفاق الشريف». ويرى مراقبون أن هذا التحول يكشف عن ضغوط سياسية وأمنية واقتصادية متراكمة دفعت النظام إلى إعادة صياغة روايته الرسمية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع الاحتجاجات الداخلية وتصاعد نشاط وحدات المقاومة.
تحول الخطاب الرسمي يكشف ارتباك السلطة
شهدت الأوساط الموالية للنظام حالة من الارتباك بعد التغيير المفاجئ في توصيف التفاهمات مع واشنطن، إذ تحولت من «تنازل مهين» إلى «اتفاق شريف» يحظى بمباركة القيادة.
الحرب الخارجية لا تحجب الحرب الحقيقية داخل إيران
يؤكد استمرار آلة الإعدامات شبه اليومية في إيران أن المعركة الرئيسية للنظام لا تدور مع القوى الخارجية، بل ضد المجتمع الإيراني نفسه وحراكه المتنامي نحو الحرية. وتُظهر ردود الفعل الشعبية في أصفهان ضد الإعدامات العلنية أن سياسات الترهيب وتأطير الأزمات في غطاء الصراعات الخارجية لم تعد تفلح في إخفاء واقع الأزمة العميقة التي يواجهها نظام الولي الفقيه أمام الإصرار الشعبي على التغيير.
الحرب الحقيقية | آلة الإعدامات | ميدان عليخاني | النظام الإيراني | يوليو 2026

وفي هذا الإطار، أكد يد الله جواني، المساعد السياسي لحرس النظام الإيراني، أن مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة جرى التفاوض عليها «من موقع العزة والقوة» وبموافقة مباشرة من الولي الفقيه.
غير أن هذا الموقف يتناقض مع الخطاب الذي تبنته وسائل إعلام مقربة من حرس النظام الإيراني خلال الأسابيع الماضية، عندما وصفت التفاهمات بأنها خيانة، وهاجمت الفريق المفاوض، كما شهدت تجمعات موالية إحراق نسخ من الوثائق المرتبطة بالمفاوضات.
ويرى متابعون أن هذا التناقض يثير تساؤلات داخل القواعد المؤيدة للنظام حول أسباب الانتقال المفاجئ من رفض الاتفاق إلى الدفاع عنه، ويعكس حالة من التخبط داخل مؤسسات الحكم.
ضغوط متزايدة فرضت تغيير الحسابات
يأتي هذا التحول في ظل ضغوط عسكرية وسياسية واقتصادية متصاعدة تعرض لها النظام الإيراني خلال الفترة الأخيرة، مع تراجع نفوذ شبكاته الإقليمية، وارتفاع التكاليف الأمنية، واضطراب حركة التجارة والملاحة.
وفي ظل هذه المعطيات، بدا أن قبول تفاهم غير متكافئ أصبح أقل كلفة بالنسبة للسلطة من مواجهة تصعيد عسكري واسع لا تملك مقومات الاستمرار فيه.
ويشير مراقبون إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي يعيد فيها النظام تقديم التراجع على أنه إنجاز سياسي، مستذكرين وصف الخميني قبول وقف إطلاق النار عام 1988 بـ«تجرع كأس السم»، ثم طرح مفهوم «المرونة البطولية» خلال المفاوضات النووية، بينما يجد حرس النظام الإيراني اليوم نفسه أمام مهمة إقناع قواعده بأن ما كان يُرفض بالأمس أصبح يمثل خياراً مشروعاً.
هاجس الاحتجاجات الداخلية يتصدر المشهد
ورغم الضغوط الخارجية، يرى محللون أن التحدي الأكبر الذي يواجه النظام يبقى داخلياً، مع استمرار المخاوف من اندلاع احتجاجات جديدة في طهران وتبريز وزاهدان والأهواز ومدن أخرى.
وفي هذا السياق، أشارت التقارير إلى تنفيذ وحدات المقاومة نحو 60 عملية مناهضة للنظام في مدن إيرانية مختلفة يوم الثلاثاء، بالتزامن مع تصاعد الانتقادات الدولية لسياسة الإعدامات المتزايدة بحق المعتقلين والناشطين، والتي يعتبرها مراقبون محاولة لاحتواء الغضب الشعبي عبر سياسة الترهيب.
ظل الحرب ومقصلة التسريحات: انهيار الصناعة الإيرانية والعمال يدفعون فاتورة الفساد
مع تصاعد التوترات وإلقاء شبح الحرب بظلاله على الاقتصاد الإيراني، تتكشف ملامح الانهيار الهيكلي في القطاعات الصناعية الحيوية، حيث تشهد كبرى الشركات القابضة في قطاع السيارات موجات تسريح جماعية للعمال. وتلقي هذه الكارثة بتبعات الفساد والسياسات المتهورة للنظام الإيراني على كاهل الطبقة العاملة، التي تجد نفسها الحلقة الأضعف في مواجهة الضغوط المعيشية المتفاقمة.
انهيار الصناعة | تسريح العمال | الفساد الممنهج | النظام الإيراني | أبريل 2026

الأزمة الاقتصادية تزيد الضغوط على السلطة
يتزامن هذا المشهد مع استمرار التدهور الاقتصادي، حيث أدى التضخم المرتفع، وانخفاض القدرة الشرائية، واتساع رقعة الفقر إلى تعميق حالة الاحتقان الاجتماعي، وتحول الملف الاقتصادي إلى أحد أبرز مصادر التهديد لاستقرار النظام.
ويرى مراقبون أن إعادة تقديم التراجع السياسي بوصفه «اتفاقاً شريفاً» تعكس حجم الضغوط التي تواجهها السلطة، في وقت تتداخل فيه الأزمات الاقتصادية مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية ونشاط المعارضة، لتشكل تحدياً متزايداً أمام النظام الإيراني في المرحلة المقبلة.

