السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.. هل يبدأ الحل من التغيير داخل إيران؟
تتواصل النقاشات الدولية حول الملف الإيراني بين قضايا البرنامج النووي والصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي، غير أن معارضين إيرانيين يؤكدون أن جوهر الأزمة يتجاوز هذه الملفات جميعاً، ويرتبط بطبيعة النظام السياسي القائم في طهران. ووفق هذه الرؤية، فإن تحقيق الاستقرار الدائم داخل إيران وفي المنطقة يتطلب معالجة جذور الأزمة السياسية، وليس الاكتفاء بالتعامل مع مظاهرها المختلفة.
جدل مستمر حول سبل التعامل مع الأزمة الإيرانية
على مدى أكثر من أربعة عقود، تعاقبت مقاربتان أساسيتان في التعامل مع النظام الإيراني: سياسة الحوار والاسترضاء من جهة، وخيار المواجهة العسكرية من جهة أخرى. غير أن منتقدي هذين النهجين يرون أنهما لم ينجحا في تحقيق الحرية للشعب الإيراني أو في إرساء الأمن والاستقرار الإقليمي.
ويعتبر هؤلاء أن تقديم الحوافز السياسية والاقتصادية وغض الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان لم يؤد إلى تغيير سلوك السلطات الإيرانية، بل منحها مزيداً من الوقت والإمكانات. وفي المقابل، يرون أن الحرب والتدخل العسكري الخارجي لا يوفران مساراً ديمقراطياً للتغيير، بل قد يفاقمان معاناة المدنيين ويمنحان السلطات فرصة لتشديد قبضتها الأمنية.
«الحل الثالث» في رؤية المعارضة الإيرانية
في مقابل هذين الخيارين، تطرح المعارضة الإيرانية ما تصفه بـ«الحل الثالث»، والقائم على إحداث التغيير عبر الشعب الإيراني وقوى المعارضة المنظمة داخل البلاد.
وتؤكد السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، أن هذا المسار يمثل بديلاً عن الاسترضاء والحرب معاً، معتبرة أن التغيير الديمقراطي ينبغي أن يكون نابعاً من الداخل الإيراني.
وفي هذا السياق، شددت رجوي في مواقف سابقة على أن الاسترضاء لم يؤد إلا إلى إطالة عمر النظام، بينما لا يمكن للحرب أن تحقق الحرية أو الديمقراطية.
مريم رجوي: لا الاسترضاء ولا الحرب… الحل هو انتفاضة الشعب والمقاومة المنظمة
لماذا يعتبر الاسترضاء سياسة غير مجدية؟
بحسب هذا الطرح، استندت سياسة الاسترضاء إلى افتراض إمكانية دفع النظام الإيراني نحو الاعتدال من خلال التفاوض وتقديم الامتيازات السياسية والاقتصادية.
غير أن معارضين يرون أن طبيعة نظام ولاية الفقيه تجعل من الصعب عليه إجراء تغييرات جوهرية في ملفات الحريات السياسية وحقوق الإنسان أو في سياساته الإقليمية، لأن تلك الملفات ترتبط، وفق تقديرهم، بمرتكزات بقائه الأساسية.
ولذلك، يعتقد هؤلاء أن الامتيازات التي قدمت خلال العقود الماضية لم تؤد إلى تعديل السلوك السياسي للنظام، بل ساهمت في تعزيز قدراته الداخلية والخارجية.
الحرب الخارجية ليست طريقاً إلى الديمقراطية
في الوقت نفسه، ترفض المعارضة الإيرانية فكرة أن التدخل العسكري الخارجي يمكن أن يحقق تحولاً ديمقراطياً مستداماً.
وترى أن استخدام القوة العسكرية قد يضعف بعض القدرات الأمنية أو العسكرية، لكنه لا يضمن إقامة نظام ديمقراطي أو إنهاء بنية السلطة القائمة. كما قد يؤدي إلى زيادة معاناة المواطنين ويمنح السلطات مبررات إضافية لتشديد الإجراءات الأمنية تحت شعار مواجهة التهديدات الخارجية.
وتؤكد مريم رجوي أن المعركة الأساسية، بحسب رؤيتها، تدور بين الشعب الإيراني والمقاومة المنظمة من جهة، والسلطة الحاكمة من جهة أخرى، وأن العامل الحاسم في أي تغيير سياسي يبقى إرادة الإيرانيين أنفسهم.
الشعب الإيراني والمعارضة المنظمة
يرى مؤيدو هذا الاتجاه أن الخطأ المشترك بين خيار الاسترضاء وخيار الحرب يكمن في استبعاد الشعب الإيراني من معادلة التغيير.
فالأول يركز على التفاهم مع السلطات القائمة، بينما يراهن الثاني على قرارات الحكومات الأجنبية. أما العامل الأساسي، وفق هذه المقاربة، فهو وجود مجتمع يشهد موجات احتجاج متكررة وقوى معارضة تسعى إلى تنظيم هذا الحراك وتقديم بديل سياسي للمستقبل.
ويشير هؤلاء إلى أن الاحتجاجات المتعاقبة داخل إيران أظهرت اتساع المطالب الداعية إلى تغيير سياسي شامل، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة وجود تنظيم قادر على إدارة مرحلة التحول ومنع الفوضى أو عودة أشكال جديدة من الاستبداد.
رؤية لمرحلة ما بعد التغيير
وتؤكد المعارضة الإيرانية أن هدفها لا يقتصر على استبدال سلطة بأخرى، بل يتمثل في نقل السيادة إلى الشعب الإيراني وإقامة نظام ديمقراطي قائم على الانتخابات الحرة والتعددية السياسية.
وفي هذا الإطار، تستند إلى البرنامج المعروف بخطة السيدة مريم رجوي ذات النقاط العشر، والذي يتضمن مبادئ تشمل التعددية السياسية، وفصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل، واستقلال القضاء، وإلغاء عقوبة الإعدام، واحترام حقوق القوميات، وإقامة إيران غير نووية.
خطّة السيدة مريم رجوي لمستقبل إيران في 10 مواد
ويرى أنصار هذه الخطة أنها تقدم تصوراً للمرحلة الانتقالية وتوفر إطاراً لإجراء انتخابات حرة وتسليم السلطة إلى ممثلي الشعب.
دور المجتمع الدولي
وتؤكد المعارضة أن مسؤولية التغيير تقع على عاتق الشعب الإيراني، لكنها تدعو المجتمع الدولي إلى اتخاذ مواقف تدعم حقوق الإيرانيين في الحرية ومقاومة الاستبداد.
وبحسب هذا الطرح، فإن المطلوب ليس التدخل العسكري أو فرض بدائل سياسية من الخارج، بل إنهاء السياسات التي تمنح الشرعية للنظام والاعتراف بحق الإيرانيين في تقرير مستقبلهم بأنفسهم.
كما شددت مريم رجوي في خطاب أمام البرلمان الإيطالي في يوليو 2026 على أن تحقيق السلام والأمن الدائمين في المنطقة يرتبطان، من وجهة نظرها، بإنهاء النظام الحالي على يد الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة.
مريم رجوي في البرلمان الإيطالي: ما دام نظام الملالي قائما فلن تنعم المنطقة بالسلام والاستقرار
بين السلام الإقليمي والتغيير الداخلي
وتخلص هذه الرؤية إلى أن الأزمة الإيرانية ليست مجرد قضية نووية أو أمنية، بل ترتبط بطبيعة النظام السياسي نفسه. ومن ثم، فإن تحقيق السلام والاستقرار المستدامين، وفق هذا التصور، لا يتحقق عبر الاسترضاء أو الحرب، وإنما عبر تمكين الشعب الإيراني من تقرير مصيره وإنهاء الديكتاتورية وإقامة جمهورية ديمقراطية تقوم على الحرية والتعددية وفصل الدين عن الدولة.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن مستقبل الاستقرار في إيران والمنطقة يبقى مرتبطاً بقدرة الإيرانيين على إحداث التغيير السياسي من الداخل وإعادة السيادة إلى الشعب بوصفه المصدر الأساسي للشرعية والقرار.

