تحالف استبداد الشاه مع تجار الدين ضد حكومة مصدق يفضح الجذور المشتركة لمنظومة القمع في إيران
يُمثل إحياء ذكرى انقلاب التاسع عشر من أغسطس 1953 محطة تاريخية بالغة الأهمية لقراءة جذور الاستبداد في إيران؛ حيث كشف ذلك اليوم المشؤوم، الذي أطاح بالحكومة الوطنية والمستقلة برئاسة الدكتور محمد مصدق، عن حقيقة التحالف العضوي الخبيث بين استبداد الشاه وتجار الدين الموالين للعرش لوأد طموحات الشعب الإيراني في الحرية والسيادة الوطنية. واليوم، وفي ظل تصاعد انتفاضات الشارع ضد نظام الولي الفقيه، يُسقط الإيرانيون كافة محاولات تلميع عهد الشاه البائد، رافعين هتافهم المدوّي الرافض للديكتاتورية بكافة أشكالها والمؤكد على حتمية التغيير الجذري نحو جمهورية ديمقراطية مستقلة.
لم يكن استهداف حكومة الدكتور محمد مصدق حدثاً سياسياً عابراً، بل جاء نتيجة مباشرة لرفض زعيم الحركة الوطنية الإيرانية تقديم أي مساومة تمس حقوق الشعب وثرواته الوطنية؛ وهو ما جعله في مرمى المؤامرات المتواصلة التي دبرها بلاط الشاه بالتنسيق مع التيارات الدينية المتشددة. وقد تجلى هذا التحالف الغادر مبكراً في محاولة الانقلاب الفاشلة في 28 فبراير 1953 ، والتي أحبطها الوعي الشعبي ونزول الشباب الميداني لحماية حكومتهم الوطنية، مما أثبت استعداد المجتمع الإيراني الدائم للتصدي لأي تآمر يستهدف مصادرة استقلاله وحريته.
وتؤكد الوثائق التاريخية الدامغة أن أصحاب الفكر الديني المتشدد، بقيادة الملا كاشاني، اصطفوا جنباً إلى جنب مع بلطجية البلاط والجنرالات الموالين للاستبداد والدوائر الاستعمارية الأجنبية لإسقاط الشرعية الدستورية وإعادة تنصيب الشاه حاكماً مطلقاً. وقد جاءت الشهادات الدولية الحديثة لتعزز هذه الحقيقة؛ حيث أكد السياسي الأمريكي البارز باتريك كينيدي، في كلمته أمام التجمع السنوي للإيرانيين في يوليو 2026، فداحة خطأ الإطاحة بمصدق، معترفاً بأن تنصيب الشاه أفرز ديكتاتورية عسكرية قمعية مارست التعذيب والقتل الممنهج بحق الشعب الإيراني، ومهدت الأرضية لاحقاً لصعود الفاشية المتسترة بعباءة الدين.
وفي المقابل، تعكس مواقف نجل الشاه وفلول النظام البائد استخفافاً صارخاً بآلام الشعب الإيراني وتضحياته؛ إذ يتهرب رضا بهلوي بوقاحة من تقديم أي اعتذار عن تلك الجريمة التاريخية، مدعياً أنها مسألة متروكة للمؤرخين، ومحاولاً تبرير الانقلاب باعتباره حراكاً شعبياً. هذا الإنكار الصريح لا يختلف عن منطق الانقلابيين أنفسهم، متجاهلاً حقيقة أن المجتمع الإيراني لا يزال يدفع حتى اليوم الأثمان الباهظة لتلك الخيانة التي أغرقت البلاد في ربع قرن من بطش جهاز السافاك، قبل أن تُسلّم السلطة لمنظومة الولي الفقيه وآلة إعداماتها المتواصلة.
تتجسد الردود التاريخية الحاسمة على هذه المناورات في ساحات الاحتجاج والميادين الإيرانية اليوم؛ حيث يقود الشباب الثائر ووحدات المقاومة قطار التغيير الجذري، مطلقين الشعار الاستراتيجي: «الموت للظالم، سواء كان الشاه أو الولي الفقيه». إن هذا الهتاف القاطع يمثل صفعة تاريخية لأي محاولات مشبوهة تهدف إلى إعادة إنتاج الاستبداد الموروث، ويؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الشعب الإيراني الذي قدم قوافل الشهداء في مواجهة سجون الشاه ومشانق الملالي لن يفرط في مكتسباته الثورية، ولن يقبل ببدائل وهمية، بل يمضي بإرادة صلبة لبناء جمهورية حرة، ديمقراطية، وغير نووية، تقوم على سيادة القانون وإرادة جمهور المواطنين.
تُثبت دروس انقلاب 19 أغسطس أن تحالف الاستبداد الشاهنشاهي مع المستبدين المتسترين بالدين مثل على الدوام العائق الأكبر أمام نهضة إيران وسيادتها؛ إن وعي الشعب الإيراني اليوم، والمحصن بتضحيات عقود من النضال ضد نظام الشاه وسلطة الولي الفقيه، يقطع الطريق نهائياً أمام أي مساومات سياسية تستهدف الالتفاف على الثورة، مؤكداً أن إسقاط أجهزة حرس النظام وتفكيك منظومة القمع يمهدان لولادة فجر ديمقراطي جديد يحقق تطلعات مصدق وشهداء الحرية في السيادة والعدالة الاجتماعية.

