أناليزا تشامبي: حماية الأدلة وتوسيع الولاية القضائية ضرورة لمحاسبة مرتكبي الجرائم في إيران
أكدت البروفيسورة أناليزا تشامبي، الخبيرة الدولية في القانون الدولي وحقوق الإنسان والمستشارة السابقة للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، أن حماية الأدلة وتوثيقها بصورة مهنية وتوسيع نطاق الولاية القضائية العالمية يشكلان عنصرين أساسيين لضمان ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في إيران ومنع إفلاتهم من العقاب.
جاء ذلك خلال مؤتمر دولي عقد عبر الإنترنت بمشاركة واسعة من خبراء الأمم المتحدة والقضاة والمدعين العامين السابقين وخبراء العدالة الجنائية الدولية تحت عنوان: «مجزرة عام 1988 واستمرار الإعدامات.. جريمة مستمرة ضد الإنسانية في إيران: الإعدامات السياسية ومسؤولية التحرك الدولي». وناقش المشاركون ملف الإعدامات السياسية في إيران، وآليات المساءلة الدولية، وسبل ضمان محاكمة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق المعارضين والسجناء السياسيين.
وافتتح المؤتمر برسالة من السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، شددت فيها على أن مسار التقاضي وملاحقة المسؤولين عن المجازر والانتهاكات يمثل جزءاً أساسياً من نضال الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة من أجل الحرية والديمقراطية وإنهاء الاستبداد.
وشهد المؤتمر حضوراً لافتاً لعدد من الشخصيات القانونية والحقوقية الدولية، من بينهم السفير ستيفن راب، والدكتور مارك إيليس، والبروفيسور جاويد رحمان، وغرازينا بارانوفسكا، والسفير يواخيم روكر، والقاضي ريتشارد غولدستون، والبروفيسورة ليلى سادات، وستيفاني وولف، والقاضي جيفري روبرتسون، والبروفيسور كلاوديو غروسمان، الذين تناولوا في مداخلاتهم التحديات القانونية المرتبطة بالمساءلة الدولية عن الجرائم المرتكبة في إيران
البروفيسورة أناليزا تشامبي: حماية وتوثيق أدلة الجرائم ضد الإنسانية في إيران ومواجهة التعتيم الرقمي ركيزة لمساءلة نظام الولي الفقيه
سلّطت البروفيسورة أناليزا تشامبي، الخبيرة الدولية في حقوق الإنسان والقانون الدولي، الضوء على وقائع القمع الدموي لاحتجاجات يناير 2026، مستعرضة التحديات الرقمية وجهود كسر الرقابة على المقاطع التي وثقت الضحايا في مشافي طهران ومشهد. ودعت تشامبي إلى إشراك منصات التكنولوجيا والقطاع الخاص في صون وتوثيق أدلة الفظائع لكسر التعتيم الممنهج الذي يفرضه نظام الولي الفقيه عبر قطع الإنترنت، مؤكدة ضرورة البناء على السوابق القضائية لتوسيع الملاحقات الجنائية بموجب الولاية القضائية العالمية لضمان عدم إفلات المسؤولين عن القمع من العقاب.

القمع والرقابة الرقمية
وفي مداخلتها، سلطت تشامبي الضوء على الأحداث التي رافقت احتجاجات يناير 2026، مشيرة إلى أن السلطات الإيرانية لجأت إلى وسائل متعددة للتعتيم على الانتهاكات، من بينها قطع الإنترنت والحد من تداول المعلومات المتعلقة بعمليات القمع. وأوضحت أن هذا الواقع يفرض تحديات كبيرة أمام جهود التوثيق وجمع الأدلة، الأمر الذي يستدعي تعاوناً دولياً أوسع لضمان الحفاظ على المعلومات والمواد التي يمكن الاستناد إليها مستقبلاً أمام المحاكم وهيئات التحقيق الدولية.
واستعرضت الخبيرة القانونية واقعة تتعلق بحذف مقاطع مصورة وثقت ضحايا القمع في طهران ومشهد من قبل شركة “ميتا”، رغم احتوائها على تحذيرات واضحة بشأن طبيعة المحتوى. وأوضحت أن الصحفيين الذين نشروا تلك المقاطع تقدموا باعتراض رسمي، ما أدى لاحقاً إلى مراجعة القرار وإعادة نشر المواد المصورة بعد أن أقرت الجهات المختصة داخل الشركة بوجود خطأ في عملية الحذف
وأكدت تشامبي أن أهمية هذه الواقعة لا تكمن فقط في إعادة نشر المقاطع، بل في إظهار الدور المتنامي الذي تؤديه شركات التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي في حفظ الأدلة المرتبطة بالجرائم والانتهاكات الجسيمة. وأشارت إلى أن إزالة المحتوى بشكل غير مدروس قد يؤدي أحياناً إلى فقدان مواد توثيقية مهمة يمكن أن تسهم مستقبلاً في كشف الحقيقة وتحقيق العدالة
السفير يواخيم روكر: وتيرة الإعدامات الحالية الأعلى منذ 1988.. وأي اتفاق مع نظام الولي الفقيه دون وقف الإعدامات خطأ جسيم
عبّر السفير يواخيم روكر، الرئيس الأسبق لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، عن تضامنه الراسخ مع المعارضة الإيرانية المنظمة وسكان أشرف 3 في ألبانيا، محذراً من أن وتيرة الإعدامات الحالية تمثل أعلى معدل تشهده إيران منذ مجازر عام 1988. ونبّه روكر إلى استغلال النظام لانحسار النزاعات الخارجية لتصعيد القمع والتصفيات في الداخل، مطالباً الجمعية العامة للأمم المتحدة بإحالة الملف إلى مجلس الأمن وتأسيس آلية مساءلة دولية مستقلة، ومشدداً على أن أي تسوية أو اتفاق مع نظام الولي الفقيه يتجاهل الوقف الفوري للإعدامات يُعد خطأً جسيماً.

أهمية توسيع الولاية القضائية العالمية
وشددت المتحدثة على أن التجارب القضائية السابقة، ومنها القضايا التي نظرت فيها محاكم أوروبية استناداً إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، أثبتت إمكانية ملاحقة المتورطين في الجرائم ضد الإنسانية حتى خارج حدود الدولة التي وقعت فيها الانتهاكات. وأضافت أن هذه السوابق القانونية ينبغي أن تشكل أساساً لبناء ملفات جديدة وتوسيع نطاق الملاحقات القضائية بحق المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات الخطيرة في إيران.
وقالت إن التقدم نحو العدالة يتطلب عملاً متواصلاً ومنظماً يشمل جمع الأدلة وحماية الشهود وتوثيق الانتهاكات وتبادل المعلومات بين المنظمات الحقوقية والهيئات القضائية الدولية. كما أكدت أن الاعتماد على قضية واحدة أو محاكمة منفردة لا يكفي، بل يجب تطوير استراتيجية قانونية أوسع تفتح المجال أمام مزيد من القضايا والإجراءات القضائية في دول مختلفة
وفي هذا السياق، دعت إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات الحقوقية الدولية والقطاع الخاص وشركات التكنولوجيا الكبرى، بما يضمن الحفاظ على الأدلة الرقمية وعدم ضياعها نتيجة الرقابة أو الحذف أو القيود التقنية، خاصة في البيئات التي تشهد انتهاكات واسعة وتقع تحت قيود مشددة على حرية الوصول إلى المعلومات.
دعوات لمساءلة دولية أوسع
وتوافقت مداخلات عدد من المشاركين في المؤتمر مع طرح تشامبي، حيث أكد المتحدثون أن تصاعد الإعدامات والانتهاكات في إيران يستدعي تحركاً دولياً أكثر فاعلية. كما شددوا على ضرورة إنشاء آليات مستقلة للتحقيق والمساءلة وجمع الأدلة، بما يمهد لمحاسبة جميع المسؤولين المتورطين في الجرائم والانتهاكات الخطيرة.
وأكدت تشامبي في ختام كلمتها أن الطريق نحو العدالة قد يكون طويلاً ومعقداً، إلا أن حماية الأدلة، وتوثيق الجرائم بصورة مهنية، والاستفادة من آليات الولاية القضائية العالمية، تمثل أدوات أساسية لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب. وأضافت أن المجتمع الدولي يمتلك اليوم خبرات قانونية وقضائية متقدمة تمكنه من التعامل مع مثل هذه القضايا، شرط توفر الإرادة السياسية والتعاون الدولي اللازم لدعم جهود المساءلة وتحقيق العدالة للضحايا

