تآكل أجنحة السلطة يبلغ نقطة الصفر: النظام الإيراني يغرق في اتهامات النفوذ وتصفية الحسابات
في تجسيد فاضح لحالة التصدع الهيكلي التي تعصف بقمة هرم السلطة في طهران، كشفت الصراعات الحادة بين أجنحة النظام الإيراني في أواخر أكتوبر 2026 عن وصول المنظومة الحاكمة إلى مرحلة متقدمة من التآكل الداخلي؛ حيث لم تعد الخلافات محصورة في إدارة الملفات الخارجية، بل تحولت إلى تراشق مكشوف باتهامات «التسلل، والنفوذ الأجنبي، والتواطؤ في استدعاء الضربات الخارجية، والعمل الممنهج لاستئناف الحرب». وتأتي هذه التطورات—التي تعري عجز بنية الحكم التي أرسى دعائمها المقبور خميني عن الحفاظ على تماسكها الشكلي—لتطرح تساؤلاً مصيرياً حول أثر هذا الشلل المؤسسي على معادلات الشارع، تزامناً مع اقتراب الذكرى السنوية لانتفاضة نوفمبر 2019 ؛ إذ يدرك المجتمع الإيراني أن تناحر مراكز القوى لا يمثل بديلاً ديمقراطياً بحد ذاته، بل يفتح ثغرة استراتيجية تمكن قوى الحراك الاعتراضي من فرض إرادتها لإنهاء عهود التسلط والنهب.
اتهامات النفوذ تفجر الصراع: انتقال التصفيات من الكواليس إلى العلن
سجلت المواجهة بين كارتيلات السلطة تصعيداً نوعياً مع خروج الاتهامات المتبادلة بالعمالة إلى صفحات الإعلام الخاضع لرقابة الدولة؛ حيث شكل المقال الذي نشره أحمد زيد آبادي في صحيفة «هم ميهن» تحت عنوان «أيها الحارس، تعال واعتقلني!» مؤشراً حاسماً على عمق الأزمة. فقد ربط الكاتب بوضوح بين بيان «جبهة بايداري» المتشددة المطالب بالانسحاب من معاهدة منع الانتشار النووي (NPT) وتوفير الذرائع لاستهداف البلاد، مشدداً على صعوبة اعتبار هذا التزامن مجرد مصادفة عابرة، ومحذراً من احتمال وجود «نوع من تقسيم الأدوار عبر شبكات النفوذ والتسلل».
إن انتقال السجال إلى التشكيك المتبادل في الولاء والارتباط بالقوى الخارجية يخرج الصراع من دائرة المناورات السياسية المعتادة ليضعه في صلب أزمة الأمن الداخلي للمنظومة برمتها. وتضع هذه التصدعات المجتمع الإيراني أمام حقيقة واضحة تعري المستفيدين من إبقاء البلاد في أتون التوتر الدائم، في حين يتحمل المواطن الكادح وحده كلفة هذه السياسات عبر تدهور معيشته، وتصاعد وتيرة القمع، ودفع أرزاقه ثمناً لمغامرات مراكز النفوذ التابعة لأجهزة الاستبداد وعلى رأسها «حرس النظام الإيراني».
سياسة افتعال الأزمات: التلويح بالحرب كورقة لابتزاز المنافسين
فضحت الخصومة المحمومة تناقضاً جوهرياً في الخطاب السياسي للنظام؛ فالنهج القائم على افتعال النزاعات الخارجية، والذي طالما رُوّج له كركيزة لحماية سلطة الولي الفقيه، تحول اليوم إلى سلاح تشهره الأطراف المتصارعة لإدانة بعضها البعض بالمغامرة والتهور. ويوجه مقال زيد آبادي إصبع الاتهام مباشرة إلى «جبهة بايداري» وحلفائها السياسيين والعقائديين بالعمل الحثيث والمستمر لجر البلاد مجدداً نحو الحرب.
ويسعى كل تيار إلى تبرئة ساحته من تبعات الانهيار القائم وإلقاء المسؤولية على خصومه لضمان بقائه في حسابات السلطة؛ غير أن تجدد طبول الحرب لا يمثل مجرد خسارة سياسية للنخب الحاكمة، بل يهدد بتدمير ما تبقى من مقومات الحياة الأساسية للملايين المحرومين من أي تأثير في صنع القرارات المصيرية. وتؤكد هذه المناورات أن الرهان على لغة التصعيد لم يعد سوى وسيلة للتغطية على الإفلاس البنيوي وتمرير المصالح الفئوية الضيقة على حساب استقرار المجتمع.
وهم التغيير الذاتي: التصدع الحاكم ليس بديلاً ديمقراطياً
تثبت الوقائع الميدانية أن عجز أجنحة الحكم عن التستر على انقساماتها يعكس شللاً عميقاً في آليات إدارة الخلاف داخل منظومة ولاية الفقيه. ومع ذلك، فإن تصدع أركان الحكم لا يفرز تلقائياً مناخاً ديمقراطياً؛ فالصراع الدائر تحركه دوافع البقاء الفردي وتوزيع النفوذ داخل البنية الاستبدادية ذاتها، دون أي اكتراث حقيقي بالحقوق المدنية أو السيادة الشعبية.
ومن هنا، يدرك المجتمع الإيراني أن واجبه الوطني لا يكمن في ترجيح كفة فصيل على آخر، بل في استثمار حالة التشتت والضعف التي تنتاب أجهزة القمع التابعة لـ «حرس النظام الإيراني» لانتزاع مطالبه المشروعة وتكثيف الضغط الشعبي لإحداث التغيير الشامل.
مشارف ذكرى نوفمبر 2019: استعادة روح الانتفاضة وحسم الخيار الوطني
يكتسب هذا التأزم السياسي أهمية بالغة بتزامنه مع اقتراب الذكرى السنوية لانتفاضة نوفمبر 2019 (آبان 98)، والتي برهنت على أن القبضة الأمنية تنهار أمام الفعل الجماهيري الموحد. وتكرس هذه المناسبة الوعي العام بأن الأزمات المعيشية والاقتصادية الخانقة مرتبطة بصورة عضوية بجوهر نظام الاستبداد وسياساته التدميرية.
ويترجم الشارع الإيراني هذا الفهم عبر تصعيد الحراك الاعتراضي في مختلف المدن، حيث تلتحم مطالب العمال والمتقاعدين والمنهوبين مع إقدام «وحدات المقاومة» التي تواجه مقار الترهيب؛ إذ تصدح المسيرات والوقفات بهتافات موحدة تندد بالغلاء والفساد وتؤكد أن العدو يقبع في الداخل، رافعةً الشعار الإستراتيجي الحاسم: «لا لنظام الشاه ولا لنظام الولي الفقيه»؛ ومشددة على أن مصير البلاد لن تصوغه مهاترات الأجنحة المتصارعة، بل سيصنعه وعي الجماهير وإصرارها على تفكيك منظومة المظالم وتأسيس «جمهورية تعددية مستقلة قائمة على سيادة الشعب».
تكشف حمى التخوين وتبادل اتهامات النفوذ بين أجنحة السلطة في خريف عام 2026 أن النظام الإيراني يمر بمرحلة انكشاف بنيوي تعجل بتآكل مراكز سيطرته؛ فالصراع المحتدم على تقاسم النفوذ والاستثمار في قرقعة السلاح يؤكد عجز المنظومة عن احتواء أزماتها المتفاقمة. غير أن التاريخ المعاصر يثبت أن خلاص الشعوب لا ينبع من انهيار الاستبداد ذاتياً، بل من جاهزية قواه الحية للمبادرة والفعل المنظم. ومع اقتراب استحقاق ذكرى حراك نوفمبر 2019، يمتلك الشعب الإيراني زمام المبادرة لتوظيف هذا التصدع الداخلي، متجاوزاً صراعات الأجنحة ومسقطاً أوهام العودة إلى استبداد نظام الشاه أو القبول باستمرار طغيان الولي الفقيه، ليمضي قدماً نحو انتزاع حريته وتقرير مصيره في وطن تسوده العدالة والسيادة الشعبية الحقيقية.


