الاتحاد من أجل الحرية والديمقراطية والمساواة

كيف يعمل وكلاء نظام الملالي الخبيثون على تمزيق الأمم

كيف يعمل وكلاء نظام الملالي الخبيثون على تمزيق الأمم 

كيف يعمل وكلاء نظام الملالي الخبيثون على تمزيق الأمم 

تبنّت حركة الحشد الشعبي شبه العسكرية المدعومة من نظام الملالي “استراتيجية فرق تسد” في جهودها للسيطرة على محافظة نينوى العراقية المتنوعة عرقياً. 

كما يحذّر تقرير جديد صادر عن مجموعة الأزمات الدولية من أن أنشطة وكلاء نظام الملالي تخاطر بإشعال حرب إقليمية مع تركيا، مع تفاقم التوترات بسبب التوغل العسكري الجديد الذي اقترحته أنقرة في شمال سوريا. 

فمع طرد داعش من هذه المنطقة المعقدة عرقيًا بين عامي 2015 و 2017، عملت قوات الحشد على دعم مجموعة من الميليشيات المحلية، مما دفع بالتوترات المدنية إلى نقطة الانهيار. كل طائفة محلية وعرقية يمكن تصورها – أيزيدي، شاباك، تركمان شيعي، سني، كردي، آشوري ومسيحي – لديها الآن فصيلها الخاص من قوات الحشد، الذي بدوره استغلّ السكان المحليين بينما يتنافس على احتكار الاقتصاد المحلي، بالإضافة إلى تجارة التهريب عبر الحدود. 

هناك لعبة نفوذ إقليمية أوسع نطاقًا قيد العمل. فقد سعت تركيا إلى تنمية العلاقات مع الحزب الديمقراطي الكردي في كردستان العراق، في الوقت الذي تحاول فيه القضاء على حزب العمال الكردستاني المحظور، وفرعه العراقي وحدات المقاومة في سنجار. بل إن الحشد جلب كشوف مرتباتهم كـ “الكتيبة 80″، بينما شنّت فصائل الحشد هجمات استفزازية ضد المواقع العسكرية التركية في شمال العراق. في غضون ذلك، قامت القوات الترکیة باغتيال أفراد أكراد لهم صلات بقوات الحشد الشعبي، بمن فيهم قادة “الكتيبة 80”. 

عاشت هذه المنطقة في حالة من الصدمة. عندما أطلقت داعش حملتها للإبادة الجماعية في عام 2014، عانت الأقليات بشكل لايمكن تخيله. فقد تم ذبح الرجال اليزيديين بشكل جماعي. كما تم القبض على النساء وإجبارهم على العبودية الجنسية والعبودية الوحشية. في حين أن النساء المُستعبَدات يُستقبلن في بعض الأحيان مرة أخرى في المجتمعات، إلا أنهن يُجبرن في كثير من الأحيان على اتخاذ الخطوة غير المعقولة المتمثلة في ترك أطفال خلفهم نتاج الزواج القسري لأعضاء داعش. 

تتطلب مثل هذه الصدمات المدمرة سنوات عديدة لنسيانها والتخفيف من وطأتها. في كل مرة أقابل فيها الناشطة الإيزيدية الحائزة على جائزة نوبل للسلام نادية مراد، تذهلني عينيها الحزينتان، اللتان تتحدثان ببلاغة عن تجارب محطمة لا يمكن تصورها والتي ستظل معها إلى الأبد. 

نظرت العديد من مجتمعات نينوى في البداية إلى الحشد على أنه المنقذ، وذلك لدورهم في تحرير هذه الأراضي. ومع ذلك، أصبح المواطنون يدركون بمرارة أن أجندة “فرق تسد” التي يتبعها الحشد الشعبي لا تخدم سوى نظام الملالي. وبالمثل، فإن الطوائف الشيعية في جنوب العراق تنقلب بشكل متزايد ضد هذه الحركة الوحشية، الموجودة في الأصل تحت ذريعة الدفاع عنهم. 

يتلاعب نظام الملالي بالهويات الطائفية لتحقيق أهدافه الخاصة: حيث تقيم الميليشيات “المسيحية” احتفالات لتكريم الأئمة الشيعة، بينما تم حشد السكان الشيعة للتصويت للسياسيين الموالين للحشد الشعبي لشغل مقاعد برلمانية مخصصة للأقليات. حتى أن إحدى المدارس الممولة من جمهورية الملالي في منطقة برطلة المسيحية سميت باسم الإمام الخميني! إنه لأمر محير للعقل فيما يتعلق بالأجندات الأيديولوجية التي تغرسها مثل هذه المؤسسات في عقول الأطفال. 

كان هناك تنافس شرس بين ميليشيات الأقليات الأصغر لإدراج نفسها في رواتب الحشد الشعبي، التي يتم تمويلها على حساب الدولة العراقية. وهذا من شأنه خلق ديناميكية خطيرة، حيث تكافح هذه المجموعات للتغلب على بعضها البعض في دفع أجندة نظام الملالي التوسعية بقوة. فقد جنت الميليشيات المتحالفة مع الحشد الشعبي ملايين الدولارات من نقاط التفتيش غير القانونية وابتزاز الشركات المحلية وأخذ مايسمونه “أموال الحماية” منهم. 

تم تجريد المجتمعات الزراعية الفقيرة المسيحية واليزيدية من أراضيهم. فالموصل الآن غارقة بالمكاتب الاقتصادية التابعة لقوات الحشد الشعبي، حيث تتنافس الفصائل للسيطرة على كل قطاع يمكن تصوره في الاقتصاد المحلي واحتكار أموال إعادة الإعمار. 

لمواجهة هذا الفساد الصارخ، سعى رؤساء الوزراء العراقيون المتعاقبون إلى نقل الميليشيات الأكثر مخالفة. ومع ذلك، تحدت هذه الفصائل أوامر بغداد، وحشدت المؤيدين لإحداث الفوضى، وكان من ضمنهم مؤيدين بارزين مثل سفير نظام الملالي وشخصيات قيادة الحشد الشعبي لمحاربة قضيتهم. 

تأتي الجهود التي تبذلها فصائل الحشد الشعبي لترسيخ نفسها بشكل دائم على المستوى المحلي في جميع أنحاء العراق في وقت تقاتل فيه هذه الجماعات بأقصى قوة للتخفيف من عواقب خسائرها الانتخابية المدمرة في أكتوبر/ تشرين الثاني من العام الماضي. تعتقد هذه الكيانات الطفيلية أنه لا يمكن طردها إذا سيطرت على جميع مستويات المجتمع. إنهم يأملون في إجبار الأحزاب المتنافسة على منحهم مقاعد في مجلس الوزراء والسماح لهم بالاحتفاظ بمناصب قوية في جميع أنحاء النظام الحاكم في العراق. 

وكما هو الحال مع حزب الله في لبنان، فإن سيطرة هذه الجماعات على النقاط الحدودية الرئيسية تسمح لها بفرض قبضتها على نظام الحكم العراقي، بالإضافة إلى السيطرة على التجارة الإقليمية ومنع عائدات الجمارك من الوصول إلى خزينة الدولة. 

فمعظم مناطق الدولة غارقة في الأسلحة والمخدرات والأموال المغسولة والسلع المقلدة التي يبيعها هؤلاء المسلحون. تتواطأ مافيا الأسد وحزب الله والحشد لإغراق الأردن ودول مجلس التعاون الخليجي ودول عربية أخرى بأطنان من المخدرات. ما يفشل العالم في إدراكه والاعتراف به هو أن هذه ليست أنشطة متفرقة ومتنوعة ولكنها جزء من استراتيجية أوسع من قبل نظام الملالي ووكلائه للسيطرة على المنطقة والتسبب في حدوث فوضى مدنية في الدول المتنافسة. 

وبالتالي، يجب على الدول العربية الرد على أعلى المستويات باستراتيجية شاملة وطموحة لمواجهة هذا التهديد على مستوى المنطقة. كما يجب عليهم ضمان احترام نتائج الانتخابات في العراق ولبنان وإعطاء المؤسسات الحكومية القدرات اللازمة لتوسيع سلطاتها في جميع أنحاء هذه الدول، حتى لا تتمكن الفصائل شبه العسكرية الخارجة عن السيطرة من ملىء الفراغ الناتج. في غضون ذلك، يجب على الحكومة العراقية أن تتخذ إجراءات صارمة ضد برامج غسيل الأدمغة الثقافية والاجتماعية والأيديولوجية التي ترتكبها هذه القوات شبه العسكرية. 

لا يمكن للدول أن تكون ذات سيادة حقيقية إذا لم تحتكر استخدام القوة في جميع أنحاء أراضيها. عندما يستخدم حزب الله الوسائل لجر لبنان إلى حرب مع إسرائيل، أو عندما يسيطر الحشد على قطاعات كبيرة من الاقتصاد العراقي، يكون هناك أمل ضئيل في بقاء هذه الدول كدول موحدة ومتماسكة. تتكرر التوترات الغاضبة على المستوى المحلي بين مجموعة الأعراق والطوائف المعقدة في نينوى على المستوى الوطني حيث يلعب نظام الملالي دور الفصائل السنية والكردية والشيعية ضد بعضها البعض. 

لا ينزعج نظام الملالي كثيرًا من أن تمزيق النسيج الاجتماعي في العراق وتقويض مؤسساته الديمقراطية سيؤدي بالتأكيد في مرحلة ما إلى إعادة البلاد إلى الصراع الأهلي وانهيار الدولة. 

بل إن نظام الملالي ربما يعول على هذه النتيجة المدمرة، لاعتقاده أن مثل هذه الفوضى يمكن أن تُستغل لتمكين وكلائه من محو الهوية العربية لهذه الدول الممزقة بشكل دائم، وإثبات تفوقه على أنقاض هذه الدول. 

• باريا علم الدين صحفية ومذيعة حائزة على عدد من الجوائز في الشرق الأوسط والمملكة المتحدة. وهي محررة في نقابة الخدمات الإعلامية وأجرت مقابلات مع العديد من رؤساء الدول. 

المصدر:ARABNEWS