تفاقم الغليان الشعبي وفشل إستراتيجية المشنقة في إيران
في حلقة من البرنامج ذا بريزيدنتس ديلي بريف، الذي يقدمه الخبير الدولي مايك بيكر، سُلّط الضوء بشكل شامل على أعقد الملفات الجيوسياسية لعام 2026: أزمة النظام الإيراني والتحولات الجارية في ملفه الدولي. ويُعد برنامج بيكر منصة تحليلية تركز على صياغة الرؤى الأمنية وتقديم موجز يومي يحاكي التقارير الاستخباراتية الحساسة التي تُرفع لصناع القرار في العواصم الغربية.
واستضاف البرنامج في هذه الحلقةالسيد علی رضا جعفر زاده، نائب مدير مكتب المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في الولايات المتحدة. وجاء الحوار في توقيت بالغ الحساسية؛ حيث تتصاعد التكهنات والجدل العالمي حول مذكرة التفاهم العامة الموقعة إلكترونياً بين واشنطن وطهران لفتح نافذة تفاوض مدتها 60 يوماً، بالتزامن مع انعقاد قمة مجموعة السبع (G7) والتحضير للحشد الشعبي الإيراني الأكبر في باريس المقرر في العشرين من يونيو الجاري.
موقع “بريت بارت”: مريم رجوي ترحب بخطوات إنهاء الحرب وتؤكد أن السلام بمثابة “سم” لبقاء النظام الإيراني
سلط موقع “بريت بارت” الأمريكي الضوء على الموقف الأخير للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية؛ حيث رحبت رئيسته المنتخبة، مريم رجوي، بالتفاهمات الرامية لإنهاء الأعمال العدائية، مؤكدة أن السلام يشكل تهديداً لبقاء النظام أكبر من المواجهة العسكرية. وأوضح التقرير أن رجوي تدعم جهود إنهاء الصراع لتخفيف معاناة الشعب، مشترطةً ربط أي اتفاق دولي بوقف الإعدامات السياسية وقمع الاحتجاجات، بالتزامن مع التحضيرات لتظاهرة باريس الكبرى.
مواقف سياسية | يونيو 2026 – يبرز تناول الإعلام الأمريكي للملف رؤية المعارضة المنظمة التي ترى في التهدئة الخارجية عاملاً يسحب من طهران ذرائع “حالة الطوارئ” لتبرير القمع الداخلي، مما يضعه أمام أزماته الهيكلية وجهاً لوجه

التفاهم الجديد ومناورات النظام للالتفاف على العقوبات
استهل مايك بيكر الحوار بطرح تساؤل إستراتيجي حول طبيعة الوثيقة الأخيرة الموقعة بين واشنطن وطهران، متسائلاً عما إذا كان هذا التفاهم يمثل خطوة حقيقية نحو السلام أم مجرد وهم دبلوماسي خطير. وفي هذا السياق، أوضح علي رضا جعفر زاده أن تفاصيل مذكرة التفاهم التي أُعلن عنها لا تتجاوز صفحة ونصف الصفحة، وهي وثيقة مبدئية تفتقر إلى التفاصيل الفنية المعقدة، مؤكداً أن طهران تحاول عبر أجهزتها الإعلامية تضخيم هذا التفاهم لإيهام الشارع الداخلي بوجود انفراجة مالية.
وأشار جعفر زاده إلى تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس التي حسمت الأمر بأن النظام لن يتلقى دولاراً واحداً مباشراً من واشنطن، وأن أي عوائد مستقبلية ستكون مشروطة بالتنفيذ الكامل والعلني لالتزامات بعيدة المدى. وأكد جعفر زاده أن لجوء سلطة الولي الفقيه للقبول بهذه الصيغة الضيقة يعكس الهشاشة الأمنية المطلقة للمنظومة الحاكمة، التي باتت تبحث عن أي متنفس لإبطاء وتيرة الانهيار الاقتصادي والسياسي الداخلي عقب انتفاضة يناير 2026 العارمة.
من جانبه، قارب مايك بيكر الملف من واقع خبرته الاستخباراتية السابقة، مشيراً إلى أن النظام الإيراني برهن على مدار أربعة عقود على مهارة فائقة في استغلال الغموض الدبلوماسي وتوظيف آليات القمع والمماطلة لإخفاء نواياه الحقيقية. وعقّب جعفر زاده مؤكداً أن القضية في عام 2026 لا يمكن أن تُبنى على الثقة، لأن نظام الولي الفقيه غير جدير بالثقة بنيوياً وتاريخياً، بل يجب أن تستند بالكامل إلى آليات عملية وقاطعة على الأرض.
وفكك جعفر زاده البرنامج النووي أمام بيكر إلى ثلاثة أركان أساسية لا يمكن عزل بعضها عن بعض:
- الركن الأول: الوقود النووي وإنتاج المواد الانشطارية وتخصيب اليورانيوم.
- الركن الثاني: تقنيات عسكرة البرنامج وتطوير الرؤوس الحربية النووية.
- الركن الثالث: أنظمة الإطلاق والوصول وتطوير الصواريخ الباليستية العابرة.
انتقد جعفر زاده الإطار الذي بُني عليه اتفاق عام 2015 (JCPOA) في عهد إدارة أوباما، واصفاً إياه بأنه كان اتفاقاً فضفاضاً سمح للنظام بالحفاظ على بنيته التحتية النووية سليمة وقابلة للتشغيل بمجرد انتهاء القيود الزمنية. وشدد على أن أي اتفاق حقيقي في الوقت الراهن يجب أن يتجاوز مجرد فرض قيود مؤقتة إلى التدمير الكامل والنهائي لكافة أجهزة الطرد المركزي والمنشآت الحيوية في بداية أي مسار تفتيشي، مع منح المفتشين الدوليين صلاحيات وصول غير مشروط ودون إخطار مسبق.
الجبهة الداخلية: تفاقم الغليان الشعبي وفشل إستراتيجية المشنقة
انتقل الحوار بعد ذلك لتحليل الوضع الميداني المتفجر داخل المدن الإيرانية. وأوضح جعفر زاده لجمهور برنامج ذا بريزيدنتس ديلي بريف أن طهران تعيش أزمة مشروعية خانقة لا يمكن مقارنتها بأي مرحلة سابقة. فمنذ اندلاع انتفاضة يناير 2026 الكبرى، التي عمت كافة المحافظات الـ 31، ارتكبت الأجهزة الأمنية مجازر وحشية أسفرت عن مقتل آلاف المتظاهرين لحماية الكيان الحاكم من السقوط الحتمي.
وأضاف جعفر زاده أن لجوء النظام لتفعيل إستراتيجية المشنقة وتصعيد حملات الإعدام السياسي بشكل جنوني منذ شهر مارس الماضي—حيث سُجلت مئات الإعدامات بحق الناشطين وأعضاء منظمة مجاهدي خلق—هو دليل رعب حقيقي من اندلاع الانتفاضة القادمة. وأكد أن هذه الدكتاتورية الدينية تستغل ظروف الحروب والنزاعات الإقليمية وتهديد الملاحة في مضيق هرمز كستار دخاني لتبرير مجازرها الصامتة في السجون. ورغم ذلك، فإن الطليعة الميدانية المتمثلة في وحدات المقاومة تواصل نموها وتحديها للقبضة البوليسية، مما يضع النظام عند المسافة صفر من الانفجار الشعبي القادم الذي يخشاه الولي الفقيه أكثر من أي ضربة عسكرية خارجية.
خيارات المستقبل: رفض الثيوقراطية والعودة إلى نظام الشاه السابق
وفي قراءته للبديل السياسي، شدد جعفر زاده على أن الشعب الإيراني قد حسم خياره بوضوح من خلال الشعارات المرفوعة في الشوارع، مؤكداً الرفض المطلق لإعادة إنتاج الدكتاتورية بأي ثوب جديد. وقال إن الإيرانيين يرفضون الاستبداد الديني الراهن كما رفضوا وأسقطوا سلطة نظام الشاه السابق، ويتطلعون بوعي تام نحو المستقبل وليس العودة إلى ماضٍ ولى.
وأوضح أن الرؤية الإستراتيجية للمقاومة الإيرانية، والمتمثلة في برنامج المواد العشر للسيدة مريم رجوي، توفر خريطة طريق متكاملة للانتقال السلمي والمنظم للسلطة عبر حكومة مؤقتة تدير البلاد لمدة ستة أشهر لتنظيم انتخابات حرة ونزيهة، تأسيساً لجمهورية ديمقراطية تعددية حديثة تقوم بالكامل على أساس مبدأ فصل الدين عن الدولة، وضمان الحريات الأساسية، والمساواة بين الجنسين، وبناء إيران غير نووية تعيش في سلام مع محيطها الإقليمي والدولي.
تجمع باريس في 20 يونيو: الشتات يرفع صوته من أجل الحرية ورفض التسويات الدولية مع طهران
يستعد نحو مائة ألف إيراني للتجمع في باريس يوم العشرين من يونيو الجاري لإيصال رسالة واضحة للمجتمع الدولي ضد الديكتاتورية الحاكمة. ويربط المقال بين الحروب الخارجية والمهادنة الدولية للنظام، معتبراً إياهما وجهين لعملة واحدة تطيل أمد الاستبداد، كما يشدد على ضرورة اعتراف العالم بحق الشعب في المقاومة ضد سلطة تتلون باستمرار للحفاظ على امتيازات النهب والقمع منذ عهد الشاه وحتى النظام الكهنوتي الحالي.
حراك ديمقراطي | يونيو 2026 – يسلط المقال الضوء على محورية حشد باريس المرتقب كأداة سياسية للشتات الإيراني، بهدف قطع الطريق على أي مساومات دولية قد تمنح النظام طوق نجاة، والتأكيد على خيار التغيير الداخلي الشامل

الأبعاد الإقليمية وحشد باريس التاريخي في 20 يونيو
أثار مايك بيكر مسألة شبكات الوكلاء الإقليميين (مثل حزب الله، والحوثيين، والميليشيات في العراق)، متسائلاً عن مدى قدرة أي اتفاق على لجم هذا السلوك. وأشار جعفر زاده إلى أن تمويل هذه الأذرع الإرهابية يمثل ركيزة بنيوية في إستراتيجية بقاء النظام الإيراني، وأن أي تخفيف للعقوبات دون رقابة صارمة سيوجه تلك الموارد مباشرة لعسكرة المنطقة بدلاً من تحسين حياة المواطنين.
واختتم جعفر زاده حواره بتوجيه رسالة لصناع القرار بالتزامن مع انعقاد قمة مجموعة السبع، مؤكداً أن التجمع والمؤتمر الضخم الذي سيعقده أنصار المقاومة الإيرانية والجالية في باريس يوم السبت القادم، 20 يونيو 2026، سيوجه نداءً حاسماً وقاطعاً للعالم بأن الصوت الحقيقي والوحيد للشعب الإيراني هو صوت إسقاط الدكتاتورية وإقامة الجمهورية الديمقراطية، داعياً العواصم الغربية للتوقف عن المماطلة والاستماع لإرادة التغيير الجذري.
يضع التقرير الشامل لحديث علي رضا جعفر زاده في برنامج ذا بريزيدنتس ديلي بريف مع مايك بيكر خريطة طريق واضحة للتعاطي الدولي مع الملف الإيراني لعام 2026. إن الرسالة المشتركة تؤكد أن المناورات الدبلوماسية والاتفاقات المبدئية لن تفلح في ترميم شروخ منظومة تآكلت مشروعيتها من الداخل. وبناءً على المعطيات الاستخباراتية والميدانية، فإن البديل الديمقراطي المنظم يمثل القوة الحقيقية القادرة على إنهاء عهد الولي الفقيه وتفكيك خطره النووي والإقليمي، لتبقى تظاهرة العشرين من يونيو في باريس المنصة السياسية الكبرى التي تعلن وقوف البلاد عند المسافة صفر من فجر الحرية والديمقراطية القائم على مبدأ فصل الدين عن الدولة.

