إيران.. صراع الذئاب الحاكمة يفضح هشاشة النظام واقترابه من مرحلة الحسم
تكشف الانقسامات المتصاعدة داخل أجنحة السلطة الإيرانية، بالتزامن مع اتساع رقعة الاحتجاجات ونشاط وحدات المقاومة، عن أزمة بنيوية تعصف بالنظام من الداخل. وفي ظل تصاعد العزلة الدولية، وتراجع نفوذ طهران الإقليمي، وتفاقم الأوضاع الاقتصادية، يرى مراقبون أن النظام يواجه واحدة من أكثر مراحله هشاشة، بينما تزداد الدعوات إلى دعم حق الشعب الإيراني في التغيير وإقامة جمهورية ديمقراطية.
يتزامن تصاعد مشروع إسقاط نظام الملالي داخل إيران، عبر الاحتجاجات الشعبية ونشاط وحدات المقاومة في مختلف المدن، مع تحولات موازية على الساحة الدولية تسهم في زيادة الضغوط على النظام. فالتقارير المتزايدة التي تكشف أنشطة طهران المرتبطة بالإرهاب، وإثارة النزاعات الإقليمية، إضافة إلى فضح ملفات الفساد المرتبطة بمسؤولين موالين للنظام في دول مثل العراق، أسهمت في تعزيز العزلة السياسية التي يواجهها النظام الإيراني.
انفجار الخلافات بعد مسرحية التشييع.. انهيار مسودة التفاهم يدفع النظام نحو خيارات انتحارية
عادت الانقسامات الداخلية والصراعات بين أجنحة السلطة في إيران إلى الواجهة فور انتهاء مراسم تشييع علي خامنئي. وتتمحور المواجهات الحالية حول مصير مسودة التفاهم ومستقبل المسار الدبلوماسي، وسط تصاعد الضغوط لإنهاء هذا المسار بشكل كامل ودفع النظام نحو خيارات انتحارية.
كما أن استمرار التصريحات التصعيدية الصادرة عن المسؤولين الإيرانيين تجاه المجتمع الدولي، إلى جانب تراجع نفوذ الميليشيات المرتبطة بفيلق القدس في عدد من دول المنطقة، يعكس تغيراً في موازين القوى الإقليمية، مع مؤشرات على تراجع قدرة هذه الجماعات على الحفاظ على مواقعها السابقة.
وفي الداخل، تتزامن هذه التطورات مع احتدام الصراع بين أجنحة السلطة، وتصاعد الخلافات التي باتت تظهر بصورة علنية، إلى جانب الحملات الإعلامية التي رافقت مراسم تشييع علي خامنئي، وما رافقها من محاولات لإظهار النظام بمظهر المتماسك. إلا أن هذه المشاهد لم تنجح، وفق كثير من المراقبين، في إخفاء حجم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعانيها الإيرانيون، ولا في الحد من تصاعد المطالب الشعبية الداعية إلى إنهاء الحكم القائم.
ويرى معارضون أن النظام الإيراني يعيش اليوم أضعف مراحله منذ قيامه، وأنه يواجه أزمة وجودية تتجاوز الخلافات التقليدية بين أجنحته، في ظل تصاعد ما يصفونه بـ«أزمة السقوط». كما يؤكدون أن النظام لم يبدِ خلال العقود الماضية أي استعداد للتخلي عن سياساته القائمة على القمع الداخلي، والإعدامات، والتدخلات الإقليمية، معتبرين أن جميع السياسات التي انتهجها كانت تهدف إلى ضمان بقائه في السلطة.
وفي المقابل، تؤكد أطراف المقاومة الإيرانية أن ما تصفه بـ«الحل الثالث» يمثل البديل القادر على إنهاء الأزمة، ويقوم على دعم الشعب الإيراني ومقاومته، والاعتراف بحق الإيرانيين في تقرير مستقبلهم بعيداً عن خيار الحرب الخارجية أو العودة إلى نظام الشاه السابق. وترى هذه الأطراف أن المجتمع الإيراني يتطلع إلى إقامة جمهورية ديمقراطية تقوم على سيادة الشعب، بعد عقود من مقاومة مختلف أشكال الحكم الاستبدادي.
أوهام البقاء: انقسامات وتصدعات غير مسبوقة تضرب بنية النظام الإيراني ما بعد الحرب
يتناول هذا التقرير ملامح الانقسامات التي برزت داخل بنية النظام الإيراني في مرحلة ما بعد الحرب. ويرى أن الخلافات لم تعد تقتصر على التنافس التقليدي بين الأجنحة، بل تحولت إلى صراع مصيري حول مستقبل النظام وآليات استمراره في ظل أزمات اقتصادية متفاقمة وضغوط متزايدة.
وتشدد المقاومة أيضاً على أن العودة إلى النظام الشاه السابق لا تمثل خياراً واقعياً بالنسبة لقطاع واسع من الإيرانيين، معتبرة أن التجارب التاريخية دفعت الشعب إلى التمسك بمطلب إقامة نظام جمهوري ديمقراطي يضمن الحريات والحقوق السياسية.
وفي هذا السياق، تدعو قوى المقاومة المجتمع الدولي، ولا سيما دول المنطقة، إلى دعم حق الشعب الإيراني في التغيير، مؤكدة أن مطالبها لا تتمثل في الحصول على دعم عسكري أو مالي، وإنما في الاعتراف بحق الإيرانيين في مقاومة النظام والسعي إلى إقامة نظام ديمقراطي جديد.
وفي معرض تحليلها لمراسم التشييع الرسمية، ترى المقاومة أن الأنظمة الاستبدادية غالباً ما تلجأ، في المراحل التي تسبق سقوطها، إلى تنظيم استعراضات جماهيرية واسعة لإظهار القوة والتماسك، مستندة إلى أدوات الدولة وإمكاناتها التنظيمية والإعلامية. إلا أن هذه المشاهد، بحسب هذا الطرح، لا تعكس بالضرورة حجم التأييد الشعبي الحقيقي، خصوصاً في ظل تطور وسائل الاتصال وانتشار منصات التواصل الاجتماعي وتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي باتت تتيح قدراً أكبر من التدقيق في الروايات الرسمية.
ويشير هذا التقييم إلى أن محاولات تصوير النظام باعتباره مستقراً وقادراً على تجاوز أزماته تتناقض مع واقع الانقسامات الداخلية، وتصاعد الاحتجاجات، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، فضلاً عن استمرار الصراع بين مراكز القوى داخل مؤسسات الحكم.
ويخلص هذا الطرح إلى أن تصاعد الخلافات بين أجنحة السلطة، بالتوازي مع تنامي الغضب الشعبي واتساع الضغوط الخارجية، يعكس مرحلة جديدة من الهشاشة السياسية داخل النظام الإيراني. ويرى أن استمرار ما يوصف بـ«حرب الذئاب» بين مراكز النفوذ يكشف أن الصراع لم يعد يدور حول تقاسم السلطة فحسب، بل حول مستقبل النظام نفسه، في وقت تواصل فيه قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني المطالبة بالتغيير وإقامة نظام جمهوري ديمقراطي.

