تجرّعُ كأس السم قبل 38 عاماً: المفتاحُ التاريخي لفهم نزاعات نظام الملالي في يوليو 2026
يصادف اليوم مرور 38 عاماً على قبول خميني مرغماً بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 598 لوقف الحرب، في محطة تاريخية تتطابق تفاصيلها الاستراتيجية مع المأزق الوجودي الذي يعيشه نظام الولي الفقيه في يوليو 2026 إثر انهيار هدنة مذكرة إسلام آباد؛ مما يثبت بالدليل القاطع أن الديكتاتورية الحاكمة باسم الدين في إيران بحاجة دائمية ومستمرة لإشعال النزاعات الإقليمية كأداة قمعية حتمية لتطويق ومنع تفجر البديل المنظم من الداخل الإيراني.
جرعة السم قبل 38 عاماً: كواليس الانكسار وتهاوي الأسطورة
في مثل هذا اليوم قبل 38 عاماً، وتحديداً في 17 يوليو/تموز 1988، بعث خميني برسالة إلى الأمم المتحدة يعلن فيها قبول قرار مجلس الأمن رقم 598، وهو وقف إطلاق النار الذي حاربه بضراوة لست سنوات متواصلة. وبعد أيام قليلة، خرج مؤسس الديكتاتورية الحاکمة باعتراف علني صادم ومزلزل قال فيه: «إن قبول هذا الأمر بالنسبة لي هو أكثر فتكاً من تجرع السم… لقد عاهدت نفسي أن أقاتل حتى آخر قطرة من دمي».
هذا الاستسلام القسري حطّم تماماً هالة العصمة الإلهية التي سعى خميني جاهداً لتسويقها حول نفسه؛ فقد كان هو من مهّد الطريق لهذا النزاع من خلال افتعال مناوشات حدودية، ودعوة الشعب العراقي علناً للإطاحة بحكومته، ودعم محاولات اغتيال المسؤولين هناك. ومن خلال تأطير الحرب كحملة مقدسة، ربط سلطته المطلقة بالنصر المطلق. وجاء تجرع سم السلام ليعريه أمام أتباعه المتعصبين ليس كمبعوث إلهي، بل كبشر مهزوم، مما أصاب قواه الفصائلية بالإحباط الشديد.
والحقيقة أن خميني اتخذ من الحرب سلاحاً لخرق وإسكات المعارضة الداخلية تحت غطاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية؛ وحتى بعد انسحاب قوات الخصم إلى الحدود الدولية في عام 1982 وإبداء الطرف الآخر استعداداً كاملاً للهدنة، رفض خميني ذلك متعهداً بالقتال حتى آخر منزل في طهران. لقد كان بحاجة إلى الحرب لتثبيت ركائز سلطته، لأن إنهاءها كان يعني إطلاق العنان للغضب الشعبي المتراكم الذي قصفه وقبضه بوحشية طوال سنوات.
الكلفة الباهظة لاستراتيجية البقاء
كانت كلفة استراتيجية البقاء التي انتهجها النظام مرعبة وكارثية؛ حيث تسببت السنوات الست من الاستمرار غير المبرر للحرب في أضرار اقتصادية لإيران تجاوزت تريليون دولار. أما الكلفة البشرية فكانت مفجعة: مليون قتيل، ومليونان من الجرحى والمشوهين بإعاقات دائمة، وأربعة ملايين نازح على الجانب الإيراني وحده.
ودفع ذعر النظام لاستمرار النزاع إلى ارتكاب فظائع لا يتخيلها عقل؛ حيث جرى تجنيد طلاب المدارس المراهقين كجنود مستهلكين لإنفاذ الذخيرة، وأُرسل أطفال لم تتجاوز أعمارهم اثني عشر عاماً ضمن ميليشيات الباسيج في موجات بشرية لتطهير حقول الألغام. واشتهرت الحكومة آنذاك باستيراد 500 ألف مفتاح بلاستيكي من تايوان، وتعليقها حول أعناق الأطفال باعتبارها مفاتيح الجنة الحرفية. طوال هذه المجزرة المحلية، كانت المبادرات الدولية وقرارات الأمم المتحدة تُقبل من الأطراف الأخرى، في حين رفضها خميني بشكل منهجي، مصراً على أن قواته ستسير إلى القدس عبر كربلاء، ولم يتراجع عن مساره إلا عندما ظهر تهديد وجودي حاسم من داخل حدوده.
التهديد الحقيقي من الداخل: جيش التحرير الوطني الإيراني
إن ما كسر إرادة النظام في نهاية المطاف لم يكن الدبلوماسية، بل جيش التحرير الوطني الإيراني (NLA)—الجناح المسلح للمقاومة الإيرانية؛ ففي ربيع عام 1988، شن جيش التحرير عملية آفتاب (الشمس الساطعة)، ممزقاً فرقة خراسان 77 النخبوية التابعة للنظام في هجوم صاعق استمر 24 ساعة.
وفي 18 يونيو/حزيران 1988، أتبعها جيش التحرير بـ عملية تشهل جراغ (الثريا)، حيث حررت قوات المقاومة مدينة مهران الاستراتيجية، وأبادت فرقتين عسكريتين نخويتين—الفرقة 11 التابعة لحرس النظام والفرقة 16 المدرعة التابعة للجيش—واستولت على عتاد عسكري تجاوزت قيمته ملياري دولار. وحينها ردد المقاتلون المنتصرون شعاراً زلزل أركان العاصمة: «اليوم مهران وغداً طهران».
ووصل النداء بالفعل إلى طهران.
إن ما جعل جيش التحرير الوطني يمثل تهديداً غير متكافئ للنظام لم يكن حجمه أو قوته العسكرية التقليدية؛ بل طابعه السياسي والاجتماعي. فمن الناحية الرقمية البحتة، كان أصغر من القوات المسلحة التابعة للنظام، لكنه لم يكن مجرد تشكيل عسكري عادي؛ إذ أدرك النظام أن منظمة مجاهدي خلق الإيرانية (MEK) تمتلك تأييداً واسعاً وعميقاً في شتى أنحاء إيران، وأن جيش التحرير هو في الحقيقة جيش يقف ضباطه في الجبهة بينما جنوده المحتملون منتشرون ومندسون في مدن البلاد. وبالتالي، لم يكن تقدمه يقاس بعدد المقاتلين الذين يعبرون الحدود، بل كان الخطر الحقيقي يكمن في أنه بمجرد تحركه، سيتحول إلى كرة ثلج تنضم إليها الآلاف في مدينة تلو الأخرى. هذا الاحتمال—وجود قوة إيرانية منظمة قادرة على تفعيل انتفاضة داخلية أوسع—هو ما جعل جيش التحرير أكثر خطورة على مؤسسة الملالي من حجمه العسكري المجرد.
الحاجة الدائمة للنزاع: إسقاط المعطيات على يوليو 2026
اليوم، تجد المؤسسة الحاكمة نفسها في ذات المأزق التاريخي؛ حيث تراهن على الحرب الإقليمية لتفادي الانهيار الداخلي في أعقاب موت الولي الفقيه السابق علي خامنئي في فبراير/شباط 2026. وكما أثبتت العقود الثلاثة الماضية، فإن النظام يحتاج إلى الحرب كشرط بنيوي لوجوده؛ وما انهيار وقف إطلاق النار الخاص بمذكرة تفاهم إسلام آباد في 8 يوليو/تموز الجاري إلا دليل ناصع على هذا الذعر. فبدل الانخراط في التهدئة لإعادة البناء، سارعت طهران إلى سياسة حافة الهاوية عبر تهديد السفن التجارية في مضيق هرمز لفرض إتاوات وبسط سيطرتها.
السلام كمهدد وجودي لسلطة الملالي:
تماماً مثل خميني في الثمانينيات، يرى نظام الولي الفقيه الجديد بقيادة مجتبى خامنئي في أي سلام دائم تهديداً وجودياً ومباشراً؛ لأن السلام الحقيقي يتطلب المحاسبة، والشفافية، وإنهاء أحكام الطوارئ الدائمة، وتفكيك آلة القمع—وهي شروط لا يمكن للمؤسسة الطائفية تحملها، لا سيما في ظل فراغ القوة الحالي. ومع ذلك، فإن الخوف الأكبر للنظام اليوم ليس جيشاً أجنبياً، بل هو تحول الشعب الناقم والمستنزف نحو التنظيم، والالتفاف حول بديل سياسي موثوق ينبع من العمق.
من الطوابير العسكرية إلى ألف أشرف في قلب المجتمع
لم يعد جيش التحرير الوطني متمركزاً على الحدود، ولم يعد يمتلك الدبابات والمدفعية الثقيلة بصيغتها التقليدية السابقة، لكنه لم يختفِ قط. فمنذ انطلاقته، كان قوة سياسية واجتماعية يتواجد جنودها في كل شارع إيراني. وعقب إغلاق معسكر أشرف في العراق—والذي كان القاعدة الرئيسية للجيش—انتقل مركز الثقل والعمليات من الحدود إلى عمق الداخل الإيراني، وتجسدت استراتيجية خلق «ألف أشرف» عبر تأسيس وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق في كافة المحافظات والبلدات والمدن. وعلى مدار السنوات الماضية، شكلت هذه الشبكات المحرك الأساسي للاستمرار ودفع الانتفاضات الوطنية المتلاحقة، لتبقي النظام في حالة رعب دائم.
لقد تغيرت الجغرافيا الاستراتيجية، لكن التهديد الجوهري للنظام ظل ثابتاً كما هو؛ ففي عام 1988 أُجبر خميني على مواجهة قوة إيرانية منظمة قادرة على تحويل الاستياء العام إلى تحدٍّ مباشر لحكمه، واليوم، لم تعد تلك القوة تتقدم في طوابير عسكرية من معسكر حدودي، بل تعمل عبر مقاومة لامركزية متجذرة في قلب المجتمع الإيراني. ويدرك النظام جيداً أن ملايين المواطنين الفقراء والناقمين والمهمشين سيتحولون إلى القوة البشرية الضاربة لجيش التحرير الجديد بمجرد تسارع وتيرة الانتفاضة الوطنية الشاملة. ومع استمرار حرب إيران لعام 2026 وانسداد الأفق الدبلوماسي، يظل درس يوليو 1988 حياً وناطقاً: الاستقرار الإقليمي لن يتحقق عبر العقوبات أو المفاوضات أو الضغوط العسكرية الخارجية الفوقية؛ بل إن القوة الحازمة والفيصل ستأتي من الداخل الإيراني—من الشعب والمقاومة المنظمة القادرة على تحويل الغضب الجمعي إلى حراك لإسقاط النظام وإنجاز التغيير الجذري.


