الاتحاد من أجل الحرية والديمقراطية والمساواة​

النظام الإيراني يتخبط في مأزق الخيارات الصفرية دخل الصراع المحتدم داخل أروقة نظام الملالي حول مآلات الحرب والمفاوضات والاتفاق النووي مرحلة غير مسبوقة من تصفية الحسابات وتبادل الاتهامات

النظام الإيراني يتخبط في مأزق الخيارات الصفرية

النظام الإيراني يتخبط في مأزق الخيارات الصفرية

دخل الصراع المحتدم داخل أروقة نظام الملالي حول مآلات الحرب والمفاوضات والاتفاق النووي مرحلة غير مسبوقة من تصفية الحسابات وتبادل الاتهامات، مجسداً التآكل الهيكلي والارتباك الاستراتيجي الذي يعصف بالفاشية الحاكمة في طهران. فقد كشفت المواجهات العلنية بين أجنحة السلطة عن عجز النظام عن التوفيق بين كلفة التصعيد العسكري الباهظة ومخاطر التراجع واللجوء إلى المفاوضات، في ظل عزلة شعبية ودولية خانقة.

ولا يقتصر هذا الصراع على خلاف سياسي عابر أو تنافس بين أجنحة النظام، بل يعكس أزمة أعمق تتعلق بمستقبل منظومة الحكم برمتها. فقد تحولت الحرب والمفاوضات والاتفاق النووي إلى محاور لصراع داخلي متصاعد، فيما يحاول كل طرف تحميل الطرف الآخر مسؤولية الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية التي تعصف بالبلاد.


«تاونهال»: تصدع سلطة مجتبى خامنئي وصراع الأجنحة يهزان أركان نظام «الولي الفقيه»

أكد موقع «تاونهال» الأمريكي في تحليل للسياسي الأوروبي البارز استراون ستيفنسون، أن السؤال الجوهري في طهران بعد أشهر من تولي مجتبى خامنئي مقاليد الحكم بات: حين يتحدث الولي الفقيه، من ذا الذي لا يزال يصغي إليه حقاً؟ وأوضح أن المعادلة البنيوية التي أرساها المقبور خميني وحافظ عليها علي خامنئي لعقود، والقائمة على إذعان التيارات لكلمة الفصل في قمة الهرم، تشهد اليوم تصدعاً حاداً وضغوطاً غير مسبوقة تضرب ركائز المنظومة وتكشف عجز السلطة المطلقة عن ضبط الصراعات الداخلية المتفجرة.

تقرير تاونهال حول تصدع سلطة مجتبى خامنئي وصراع الأجنحة

هجوم من دوائر الولي الفقيه يكشف عمق التصدع

في 11 سبتمبر/أيلول، شن مهدي فضائلي، عضو مكتب الولي الفقيه، هجوماً شخصياً حاداً على حسن روحاني، واصفاً فترة رئاسته بأنها الأكثر فشلاً وعجزاً منذ ثورة 1979. ومضى فضائلي في مهاجمة روحاني، مدعياً أنه كان الأقل شعبية والأكثر عزلة، بل والأكثر وقاحة وفجاجة في التعامل مع منتقديه، مستنداً إلى استطلاعات رأي أشار إليها.

ويكشف هذا الهجوم الصادر مباشرة من الدائرة الضيقة المحيطة بمكتب الولي الفقيه عن حجم التصدع داخل قمة السلطة، خصوصاً أن مجرد طرح فكرة التسوية أو إعادة فتح مسار التفاوض بات يثير ردود فعل شديدة داخل الجناح المهيمن.

وتسعى هذه الدوائر إلى تحميل حكومة روحاني السابقة مسؤولية الانهيار الاقتصادي والعسكرة والتدهور الذي تشهده البلاد، في محاولة لإبعاد المسؤولية عن رأس النظام والسياسات التي قادت إيران إلى أزمات متلاحقة وحروب مفتوحة.

روحاني يحاول التوفيق بين الصواريخ والدبلوماسية

جاءت هذه الردود المتشنجة بعد تصريحات لحسن روحاني رفض فيها الفصل بين القدرات العسكرية والمسار الدبلوماسي. وقال إن القوات المسلحة والدبلوماسية والصواريخ والمسيّرات والمفاوضات كلها أدوات تخدم بقاء النظام، ولا ينبغي وضعها في معسكرين متعارضين.

واستند روحاني إلى تجربة حكومته بين عامي 2014 و2017، عندما تم إبرام خطة العمل الشاملة المشتركة، المعروفة بالاتفاق النووي، مدعياً أن تلك المرحلة شهدت تراجعاً في التضخم ونمواً اقتصادياً وتحقيقاً للاكتفاء الذاتي في البنزين والسولار، فضلاً عن التحول إلى التصدير.

لكن الجانب الأكثر إثارة للقلق في تصريحات روحاني تمثل في تأكيده أن نجاح الدبلوماسية مستحيل من دون ثقة الشارع ومشاركته. ويشكل هذا الطرح تحدياً مباشراً للجناح المتشدد، لأنه يعترف ضمنياً باتساع الفجوة بين المجتمع والدولة، ويضع مسألة ثقة الشعب في صميم قدرة النظام على إدارة سياسته الداخلية والخارجية.

كما أن هذا الموقف يضرب جوهر السردية التي يعتمدها المتشددون، والتي تقدم أي تفاوض أو تسوية على أنه تراجع واستسلام أمام الخصوم.


صراع الأجنحة يعصف بطهران: تحركات لعزل بزشكيان واتهامات بالانقلاب وسط رعب من انفجار اجتماعي وشيك

شهدت أروقة النظام الإيراني تصعيداً خطيراً في صراع الأجنحة وحرب الذئاب المفتوحة، بانتقال التيارات المتشددة داخل البرلمان إلى مساعٍ عملية لعزل مسعود بزشكيان وتجريده من صلاحياته عبر إقرار مشروع «عدم الأهلية السياسية». وتكشف هذه التطورات عن تصدع حاد في قمة هرم السلطة، يتزامن مع دعوات لإعلان الأحكام العرفية وسط تحذيرات متصاعدة من كبار الملالي المقربين من بيت الولي الفقيه من أن تؤدي هذه الانقسامات المحتدمة إلى إشعال فتيل انفجار اجتماعي عارم تخرج السيطرة عليه من أيدي المنظومة بأسرها.

صراع الأجنحة وتحركات عزل بزشكيان في طهران

علم الهدى يرفض الاستفتاء ويدعو إلى استمرار الحرب

لم يتأخر رد غلاة التيار المهيمن داخل النظام. ففي 10 سبتمبر/أيلول، أعلن أحمد علم الهدى، ممثل الولي الفقيه في مشهد، أن الحرب والمواجهة الراهنة هما النتيجة المباشرة للاتفاق النووي الذي هندسته حكومة روحاني.

ورفض علم الهدى أي حديث عن استطلاع رأي المجتمع أو الاحتكام إلى خياراته، مدعياً أن البلاد ليست في حالة حرب اختيارية، بل في موقع دفاع، ومشدداً على ضرورة استمرار المواجهة بغض النظر عن مدتها، حتى لو استمرت لعقود أو قرون.

وتناغمت مع هذا الموقف تصريحات ممثلين محليين للنظام، إذ هاجم إمام جمعة غيلان غرب، محمد علي ساداتي، الدعوات المطالبة بإجراء استفتاء شعبي حول استمرار الحرب ومسارات المواجهة، معتبراً أن فكرة الاستفتاء بحد ذاتها تمثل تنفيذاً لمطالب العدو.

وتكشف هذه التصريحات عن حجم الخوف الذي يثيره الحديث عن الشعب والاستفتاء داخل أركان السلطة. فإجراء تصويت حر من شأنه، بحسب مضمون هذه المواقف، أن يضع سياسات النظام ومغامراته العسكرية والإقليمية أمام اختبار مباشر من المواطنين.

صراع الأجنحة يتزامن مع مخاوف من انفجار اجتماعي

وفي الوقت نفسه، شهدت أروقة النظام الإيراني تصعيداً خطيراً في صراع الأجنحة وحرب الذئاب المفتوحة، مع انتقال التيارات المتشددة داخل البرلمان إلى تحركات عملية لعزل مسعود بزشكيان وتجريده من صلاحياته من خلال مشروع «عدم الأهلية السياسية».

وتكشف هذه التطورات عن تصدع حاد في قمة هرم السلطة، يتزامن مع دعوات لإعلان الأحكام العرفية، وسط تحذيرات متزايدة من كبار الملالي المقربين من مكتب الولي الفقيه من أن تؤدي الانقسامات المحتدمة إلى إشعال فتيل انفجار اجتماعي واسع يصعب على النظام السيطرة عليه.

وهكذا لم يعد الصراع الداخلي مجرد اختلاف في وجهات النظر حول كيفية إدارة الحرب أو التفاوض، بل تحول إلى صراع على المسؤولية عن الوضع الراهن وعلى الطريق الذي يمكن أن يسلكه النظام للحفاظ على بقائه.

مأزق الخيارات الصفرية وسقوط استراتيجيات البقاء

يعكس هذا الصدام أزمة تاريخية في الخيارات التي يواجهها النظام الإيراني، إذ تبدو أمامه مسارات كلها تنطوي على مخاطر كبيرة.

خيار التصعيد والمواجهة بات يستنزف ما تبقى من موارد البلاد، ويدفع الاقتصاد نحو مزيد من الانهيار، ويعمق السخط الاجتماعي لدى ملايين المواطنين الذين يرفضون دفع تكاليف المغامرات الإقليمية من قوتهم اليومي.

وفي المقابل، فإن خيار التراجع والذهاب إلى المفاوضات يعني، من وجهة نظر المنظومة الحاكمة، تفكيك أذرعها الإقليمية وتقليص قدراتها العسكرية والتخريبية، وهو ما تعتبره بداية لتداعي نفوذها وانهيار خطوط دفاعها الأيديولوجية والأمنية.

ومن هنا تتضح طبيعة المأزق الذي يواجهه النظام: فالجناح المتشدد يخشى أن يؤدي أي تراجع إلى كسر حاجز الخوف لدى الجماهير، بينما تدرك الأطراف الأخرى أن الاستمرار في النهج الحالي يسرّع وتيرة الانفجار الداخلي.

إن تبادل الاتهامات حول المسؤولية عن الكارثة الراهنة يؤكد أن أجنحة السلطة نفسها لم تعد تمتلك رؤية موحدة للخروج من الأزمة. فكلما تعمقت الحرب، ازدادت الكلفة الاقتصادية والاجتماعية، وكلما طُرحت المفاوضات كخيار للخروج من المأزق، تصاعدت مخاوف الجناح المتشدد من أن تتحول أي تسوية إلى نقطة بداية لانهيار أوسع.

احتدام الصراع يكشف هشاشة النظام

يمثل احتدام حرب الأجنحة وتبادل الاتهامات بشأن الحرب والاتفاق النووي أحد أبرز مظاهر الأزمة السياسية التي يعيشها النظام. كما يكشف عن تراجع قدرة الولي الفقيه على الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك داخل منظومة الحكم.

وفي الوقت نفسه، تتراجع أوهام الاعتماد على تسويات خارجية يمكن أن تمنح النظام فرصة جديدة للبقاء، بينما تتواصل محاولات تصدير الأزمات عبر التهديد والحروب بهدف حماية منظومة الاستبداد من السقوط.

وبينما تواصل شبكات النهب المرتبطة بحرس النظام الإيراني استنزاف موارد البلاد، يواجه المواطنون الفقر والتضخم وتدهور أوضاعهم المعيشية. ويؤدي الصراع المتزايد داخل قمة السلطة إلى فتح ثغرات سياسية واجتماعية يستفيد منها الغاضبون في المجتمع، بالتزامن مع استمرار نشاط وحدات المقاومة في المدن الإيرانية.

وتؤكد هذه التطورات أن الصراع داخل النظام لا يمكن فصله عن حالة الاحتقان المتزايدة في المجتمع. فكلما عجزت السلطة عن تقديم حلول للأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ازداد اعتمادها على القمع والأمن والعسكرة، وكلما توسعت هذه السياسات، اتسعت الفجوة بينها وبين المواطنين.

وفي ظل هذا الوضع، يرى معارضو النظام أن المجتمع الإيراني تجاوز المناورات السياسية ومحاولات توزيع الأدوار بين المتشددين والمدعين بالإصلاح، ويتمسك برفض كل من نظام الشاه ونظام الولي الفقيه، ويمضي نحو تغيير سياسي شامل وإقامة جمهورية ديمقراطية تعددية ومستقلة تستعيد ثروات إيران وتضمن الحرية والكرامة للشعب.

ويكشف مأزق الخيارات الصفرية الذي يواجهه النظام عن حقيقة أن أي مسار يختاره يحمل معه مخاطر تهدد تماسكه. فالتصعيد يفاقم الأزمات ويستنزف الموارد، والتراجع يهدد البنية الأيديولوجية والأمنية التي أقام عليها النظام استراتيجيته، بينما يبقى غضب المجتمع عاملاً متزايد التأثير في مستقبل السلطة.

وفي نهاية المطاف، فإن استمرار الصراع بين أجنحة النظام حول الحرب والمفاوضات والاتفاق النووي لا يبدو مجرد خلاف على أسلوب إدارة المرحلة، بل يعكس أزمة أعمق في قدرة المنظومة الحاكمة على إيجاد مخرج من تناقضاتها المتراكمة، في وقت تتزايد فيه الضغوط من داخل المجتمع ومن داخل مؤسسات السلطة نفسها.