موريتانيا تحتج على تحركات السفير الإيراني وتؤكد تمسكها بالضوابط الدبلوماسية
شهدت العلاقات بين موريتانيا وإيران تطوراً لافتاً بعد أن استدعت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون والموريتانيين في الخارج السفير الإيراني المعتمد في نواكشوط، جواد أبو علي أكبر، وأبلغته احتجاجاً رسمياً على خلفية أنشطة وتحركات قالت السلطات الموريتانية إنها لا تنسجم مع الأعراف والتقاليد الدبلوماسية المعمول بها، وتتجاوز الأطر القانونية المنظمة لعمل البعثات الأجنبية داخل البلاد.
ويعكس هذا الإجراء موقفاً حازماً من جانب السلطات الموريتانية تجاه أي نشاط ترى أنه يخرج عن المهام الدبلوماسية المتعارف عليها دولياً. كما يأتي في إطار توجه أوسع تتبناه العديد من الدول الإفريقية الرامية إلى تشديد الرقابة على تحركات البعثات الأجنبية ومنع أي ممارسات قد تُفسر على أنها تدخل في الشؤون الداخلية أو محاولة لبناء شبكات نفوذ خارج القنوات الرسمية.
وأكد البيان الصادر عن الخارجية الموريتانية أن استدعاء السفير جاء نتيجة قيامه بسلوكيات وإجراءات اعتبرتها الحكومة غير منسجمة مع المعايير الدبلوماسية المعمول بها بين الدول، ولا تتوافق مع المبادئ التي تنظم عمل الممثلين الدبلوماسيين وفق الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية.
ورغم أن البيان لم يكشف بصورة مفصلة طبيعة التحركات التي أثارت هذا الاعتراض الرسمي، فإنه حمل رسالة واضحة مفادها أن موريتانيا تتمسك بشكل صارم باحترام سيادتها الوطنية وبالتقيد الكامل بالقوانين والأعراف التي تحكم العلاقة بين الدولة المضيفة والبعثات الدبلوماسية الأجنبية. كما شدد على ضرورة التزام جميع أعضاء البعثات المعتمدة بالحدود التي يرسمها القانون الدولي والممارسات الدبلوماسية المتعارف عليها.
زيارة مثيرة للجدل وتطورات أمنية
وتزامن الاستدعاء الرسمي مع تقارير إعلامية محلية تحدثت عن تطورات أمنية أعقبت زيارة قام بها السفير الإيراني إلى بلدة «بوسديرة» التابعة لمقاطعة بوتلميت في ولاية الترارزة غرب موريتانيا. وأشارت وسائل إعلام موريتانية إلى أن أجهزة الأمن نفذت سلسلة توقيفات شملت عدداً من الأشخاص الذين ارتبطت أسماؤهم بالزيارة أو شاركوا في مراسم استقبال السفير.
ووفق ما أوردته وكالة «الأخبار» الموريتانية، فإن من بين الموقوفين مواطناً موريتانياً استضاف السفير الإيراني خلال الزيارة، إلى جانب مسؤول محلي متقاعد. كما ذكرت التقارير أن بعض المشاركين في الاستقبال أطلقوا أعيرة نارية في الهواء أثناء الترحيب بالضيف، وهو ما أثار استنفاراً أمنياً واسعاً ودفع السلطات إلى فتح تحقيقات واتخاذ إجراءات ميدانية بحق المتورطين في الحادثة.
وتعتبر السلطات الموريتانية أن مثل هذه المظاهر تمثل إخلالاً بالنظام العام وقد تثير حساسيات أمنية، خاصة عندما ترتبط بزيارة دبلوماسية خارج الأطر الرسمية المتعارف عليها. ولهذا جاء التحرك الرسمي ليؤكد أن أي نشاط دبلوماسي يجب أن يتم ضمن القنوات القانونية ووفق التنسيق المسبق مع الجهات المختصة.
البروفيسورة أناليزا تشامبي: حماية وتوثيق أدلة الجرائم ضد الإنسانية في إيران ومواجهة التعتيم الرقمي ركيزة لمساءلة نظام الولي الفقيه
سلّطت البروفيسورة أناليزا تشامبي، الخبيرة الدولية في حقوق الإنسان والقانون الدولي، الضوء على وقائع القمع الدموي لاحتجاجات يناير 2026، مستعرضة التحديات الرقمية وجهود كسر الرقابة على المقاطع التي وثقت الضحايا في مشافي طهران ومشهد. ودعت تشامبي إلى إشراك منصات التكنولوجيا والقطاع الخاص في صون وتوثيق أدلة الفظائع لكسر التعتيم الممنهج الذي يفرضه نظام الولي الفقيه عبر قطع الإنترنت، مؤكدة ضرورة البناء على السوابق القضائية لتوسيع الملاحقات الجنائية بموجب الولاية القضائية العالمية لضمان عدم إفلات المسؤولين عن القمع من العقاب.

حذر متزايد من النفوذ الخارجي
ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية تعكس مستوى الحذر الذي تبديه العديد من الدول الإفريقية تجاه محاولات توسيع النفوذ السياسي أو الأيديولوجي عبر أنشطة موازية للعمل الدبلوماسي التقليدي. وقد أصبحت الحكومات في المنطقة أكثر حساسية تجاه التحركات التي تتم خارج الأطر الرسمية، خصوصاً عندما تشمل التواصل المباشر مع شخصيات محلية أو تنظيم زيارات ميدانية ذات طابع سياسي أو اجتماعي.
وفي هذا السياق، تؤكد السلطات الموريتانية حرصها على الحفاظ على علاقاتها الدبلوماسية مع مختلف الدول على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. كما تشدد على أن النشاط الدبلوماسي يجب أن يظل ملتزماً بالقواعد الدولية التي تنظم العلاقات بين الدول وتضمن احترام سيادتها واستقرارها الداخلي.
ويشير متابعون إلى أن استدعاء السفير الإيراني يحمل دلالات سياسية ودبلوماسية مهمة، إذ يعكس رغبة نواكشوط في توجيه رسالة واضحة بشأن ضرورة الالتزام الصارم بالأعراف الدبلوماسية وعدم تجاوزها. كما يؤكد استعداد السلطات لاتخاذ خطوات رسمية عندما ترى أن هناك ممارسات لا تتوافق مع الضوابط المعمول بها.
غياب رد رسمي من السفارة الإيرانية
وحتى وقت نشر التقرير، لم تصدر السفارة الإيرانية في نواكشوط أي رد رسمي على مذكرة الاحتجاج التي سلمتها الخارجية الموريتانية، كما لم تقدم توضيحات علنية بشأن الزيارة التي قام بها السفير إلى بلدة بوسديرة أو بشأن الملابسات التي رافقتها.
ويترقب المراقبون ما إذا كانت الأزمة ستتوقف عند حدود الاحتجاج الرسمي أم أنها ستقود إلى إجراءات دبلوماسية إضافية خلال الفترة المقبلة. إلا أن المؤكد، بحسب مراقبين، أن قرار استدعاء السفير وتوجيه احتجاج مباشر إليه يعكس تمسك موريتانيا بمبدأ احترام السيادة الوطنية وبضرورة التزام جميع البعثات الأجنبية بالقواعد التي تحكم العمل الدبلوماسي، بما يحفظ استقرار البلاد ويمنع أي أنشطة يمكن أن تثير توترات سياسية أو أمنية داخلية.


