ديكتاتورية تقتات على خوف.. حملة قمع وحشية تطال النساء والأطفال في إيران
من الاعتقالات الجماعية والإعدامات التي تلوح في الأفق إلى الضغط المتزايد على النساء والأطفال والمحامين والأسر المكلومة، تكثف الأجهزة الأمنية الإيرانية قمعها الشرس بينما تعزل السجناء تماماً عن العالم الخارجي.
ومع تعمق الأزمة السياسية والاجتماعية الخانقة في إيران، أطلقت سلطات النظام موجة جديدة ومسعورة من الاعتقالات والإعدامات والتدابير الأمنية التي تستهدف السجناء السياسيين، والنشطاء المدنيين، والأقليات العرقية، والنساء، بل وحتى الأطفال في جميع أنحاء البلاد. وتشير التقارير الواردة من الأهواز، وإيذه، ومشهد، وكرمانشاه، وزاهدان، وشيراز، وطهران، ورشت، والعديد من المدن الكردية، إلى أن الحملة الأمنية للنظام قد دخلت مرحلة أوسع وأكثر عدوانية.
ويحذر نشطاء حقوق الإنسان من أن السلطات تستغل ظروف الحرب، وقيود الإنترنت، والرقابة الصارمة على وسائل الإعلام لتكثيف قمعها بعيداً عن الرقابة العامة والأنظار الدولية. وتصف عائلات المعتقلين بشكل متزايد جواً مشحوناً بالخوف وعدم اليقين والترهيب، حيث يُحرم الكثيرون من أبسط المعلومات المتعلقة بأماكن وجود أحبائهم أو حالتهم الصحية.
تعليق زيارات السجون وتصاعد الضغط على العائلات
في كرمانشاه، أفادت التقارير بأن سلطات سجن ديزل آباد قد علقت جميع زيارات السجناء. وتقول العائلات إنها أمضت أسابيع دون رؤية أقاربها المحتجزين، في حين تخضع الاتصالات الهاتفية لمراقبة وقيود شديدة. ويبلغ أقارب السجناء السياسيين عن زيارات متكررة للدوائر القضائية بحثاً عن معلومات، ليواجهوا بدلاً من الإجابات تهديدات وترهيباً صريحاً من قبل مسؤولي الأمن.
وتتزايد مخاوف مماثلة في سجن لاكان في رشت، حيث تعيش عائلات السجناء المحكوم عليهم بالإعدام في رعب دائم من عمليات إعدام مفاجئة تُنفذ دون إشعار مسبق. ويصف الكثيرون ليالي طويلة يقضونها في انتظار قلق لمكالمات محتملة من إدارة السجن تعلن تنفيذ أحكام الإعدام.
في الوقت ذاته، زادت التقارير المتعلقة بنقل العديد من السجناء السياسيين إلى سجن قزل حصار من المخاوف بشأن إعدامات وشيكة. وتقول مصادر مقربة من عائلات السجناء إن بعض المعتقلين أمضوا أشهراً في الحبس الانفرادي، ويُزعم أنهم تعرضوا لتعذيب وحشي يهدف إلى انتزاع اعترافات قسرية.
استهداف متزايد للسجينات والناشطات
أصبحت الناشطات والسجينات أهدافاً مركزية للحملة الأمنية المتوسعة التي يشنها النظام. ففي إيذه، لا تزال الفتاة شادي موسوي ركعتي، البالغة من العمر 18 عاماً، محتجزة في سجن سبيدار بالأهواز. وأفادت التقارير أن وسائل الإعلام التابعة للدولة بدأت في بث اعترافات قسرية ضدها، وهو تكتيك دنيء تستخدمه السلطات الإيرانية بشكل متكرر لتهيئة الرأي العام لإصدار أحكام قاسية. وتقول عائلتها إن محاولاتها المتكررة للحصول على معلومات حول حالتها قوبلت بتجاهل تام.
وخلال مداهمة أمنية منفصلة لقرية بيان بالقرب من إيذه، تم اعتقال العديد من السكان وأصيبت امرأة محلية تُدعى آرزو ململي بجروح. ويصف السكان القرية بأنها تعيش تحت أجواء أمنية مكثفة عقب العملية، حيث تلتزم العديد من العائلات الصمت خوفاً من الاعتقال.
وفي شيراز، أثارت اعتقالات المحاميتين والناشطتين في مجال حقوق الإنسان، ستاره أنصاري وإلهام زراعت بيشه، مخاوف جديدة بشأن الضغوط المتزايدة على المحامين المشاركين في قضايا سياسية وحقوقية. وتقول عائلاتهما إن السلطات لم تكشف عن مكان احتجازهما.
وفي غضون ذلك، تواجه الشقيقتان نيوشا ومنى نخعي في طهران خطر الإعدام؛ حيث يؤكد الأقارب أن قوات الأمن حذرت العائلة من التحدث علناً بينما تمارس ضغوطاً على المعتقلتين لانتزاع اعترافات قسرية. أما في سجن قرتشك، فقد حُكم على السجينتين شيوا إسماعيلي وإلهه فولادي بالسجن ستة أشهر إضافية لكل منهما بعد احتجاجهما على وفاة زميلتهما في السجن سمية رشيدي. ويصف المدافعون عن حقوق الإنسان هذه الأحكام بأنها محاولة متعمدة لإسكات المعارضة بين السجينات.
اعتقال الأطفال يعكس تصعيداً خطيراً في القمع
تعرب منظمات حقوق الإنسان أيضاً عن قلقها البالغ إزاء تزايد احتجاز القاصرين. ففي إيذه، تم اعتقال مراهق يبلغ من العمر 15 عاماً عقب المداهمات الأمنية على قرية بيان. وفي فولاد شهر بالقرب من أصفهان، يُزعم أن مراهقاً يبلغ من العمر 16 عاماً لا يزال رهن الاعتقال منذ أسابيع بينما تظل عائلته جاهلة بمصيره.
وفي زاهدان، نُقل مراهق بلوشي يبلغ من العمر 17 عاماً إلى مركز احتجاز للأحداث بعد حوالي شهر من احتجازه. وتقول عائلته إن السلطات لم تقدم أي تفاصيل بخصوص التهم الموجهة إليه. ويحذر نشطاء حقوق الطفل من أن نظام احتجاز الأحداث في إيران يعمل بشكل متزايد كامتداد للأجهزة الأمنية، مما يجر القاصرين إلى دوامة مرعبة من الاستجواب والترهيب والاعترافات القسرية. ووفقاً للنشطاء، فإن استهداف الأطفال يثبت مدى تغلغل القمع في أعماق المجتمع الإيراني.
ضغوط خانقة على المجتمعات العربية والبلوشية والكردية
تكثفت العمليات الأمنية بشكل خاص في المناطق العربية والبلوشية. ففي الأهواز وكوت عبد الله، تفيد التقارير باعتقال العشرات من المواطنين العرب السنة. وتقول العائلات إنها حُرمت من حقوق الزيارة لأكثر من شهر وهُددت لمنعها من التحدث علناً عن الاعتقالات.
وفي زاهدان والمناطق ذات الأغلبية البلوشية، تصف التقارير عمليات احتجاز عنيفة وسجناً انفرادياً مطولاً. وتقول العديد من العائلات إنها لم تتلق سوى مكالمة هاتفية قصيرة من أقاربها المحتجزين قبل انقطاع جميع أشكال الاتصال. ويبلغ آخرون عن تهديدات مباشرة من قبل عملاء المخابرات أثناء محاولتهم متابعة المعلومات القانونية عن أفراد عائلاتهم.
أما في المدن الكردية، بما في ذلك سقز، وبوكان، ومهاباد، وبيرانشهر، وأورميا، تواجه عائلات المعتقلين ضغوطاً اقتصادية وأمنية مزدوجة. ففي إحدى الحالات الموثقة، أُمرت عائلة سجين سياسي بتقديم كفالة مالية تعادل أربعة مليارات تومان – وهو مبلغ يضع عبئاً مالياً هائلاً على كاهل الأسر العادية التي تكافح أصلاً تحت وطأة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في إيران. ويقول مراقبو حقوق الإنسان إن الجمع بين المطالبة بكفالات ضخمة، والترهيب، وقيود الاتصال، مصمم خصيصاً لعزل المعتقلين وإحباط النشاط العام.
استراتيجية مبنية على الخوف
تشير التقارير الواردة من جميع أنحاء إيران إلى أن حملة القمع التي يشنها النظام لم تعد مقتصرة على المتظاهرين في الشوارع أو النشطاء السياسيين فحسب. بل أصبحت السجينات، والعائلات المكلومة، والمحامون، والأقليات العرقية، وحتى الأطفال، أهدافاً مباشرة ومستباحة للأجهزة الأمنية.
إن الارتفاع الحاد في عمليات الإعدام، وتعليق زيارات السجون، والاستخدام الواسع النطاق للاعترافات القسرية، وترهيب العائلات، ترسم جميعها صورة واضحة لنظام يحاول الحفاظ على بقائه من خلال نشر الخوف والقمع الدائم. وبالنسبة للعديد من العائلات الإيرانية، أصبح عدم اليقين بحد ذاته شكلاً من أشكال العقاب؛ عقاب لا يُفرض على السجناء فحسب، بل على مجتمعات بأكملها تعيش تحت وطأة الاعتقال والصمت وإرهاب الدولة في ظل النظام الكهنوتي.


