عندما تتحول مفاوضات إلى ميدان حرب بين أجنحة السلطة في إيران
لم تكن تجمعات وعربدات من يوصفون بـ الذائبين في الولاية 13 في يونيو 2026 مجرد استعراض جديد للولاء المطلق لمنظومة ولائية متهالكة، بل تحولت إلى مرآة صقيلة تعكس حجم الهشاشة، والأزمة العميقة، وغياب الاستقرار في مفاصل الحاكمية بأسرها. إن نضوج التفاهمات بين الفاشية الحاکمة والولايات المتحدة فجّر هذه المرة مستودع بارود الخلافات البينية، ليسلط الضوء على ضعف وافتقاد السلطة الحازمة لدى الولي الفقيه الجديد، مجتبى خامنئي؛ الديكتاتور الموروث الذي يواجه تحدياً وتهشيماً لهيبته الصورية من قِبل أكثر العناصر تبعية له قبل أن يرسخ أقدامه في السلطة.
الشارع كمرآة للانشقاق والانسداد البنيوي
إن هذه الاحتجاجات في الشوارع التي طالما وظفها النظام في فترات المواجهات كمتاريس لصد الانتفاضات الشعبية، باتت اليوم تعمل بكفاءة عكسية وتضرب مصالحه الحيوية في مقتل. فالشعارات الحادة التي دوت في شوارع طهران مثل: «قاليباف وعراقجي.. أين دماء قائدنا؟» و«الموت لعراقجي.. العميل بلا شرف»، تكشف حقيقة جلية: إن القواعد العقائدية والكوادر الداخلية التي صنعها النظام، باتت محبطة ويائسة من الشعارات الجوفاء، فوجهت سلاح التكفير والتخوين صوب أركان المنظومة نفسها.
موقع “بريت بارت”: مريم رجوي ترحب بخطوات إنهاء الحرب وتؤكد أن السلام بمثابة “سم” لبقاء النظام الإيراني
سلط موقع “بريت بارت” الأمريكي الضوء على موقف المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية؛ حيث رحبت رئيسته المنتخبة، مريم رجوي، بالتفاهمات الرامية لإنهاء الأعمال العدائية، مؤكدة أن السلام يشكل تهديداً لبقاء النظام أكبر من المواجهة العسكرية. وأوضح التقرير أن رجوي تدعم جهود إنهاء الصراع لتخفيف معاناة الشعب، مشترطةً ربط أي اتفاق دولي بوقف الإعدامات السياسية وقمع الاحتجاجات، بالتزامن مع التحضيرات لتظاهرة باريس الكبرى.
مواقف سياسية | يونيو 2026 – يبرز تناول الإعلام الأمريكي للملف رؤية المعارضة المنظمة التي ترى في التهدئة الخارجية عاملاً يسحب من طهران ذرائع “حالة الطوارئ” لتبرير القمع الداخلي، مما يضعه أمام أزماته الهيكلية وجهاً لوجه

وعندما يصرخ المتجمهرون أمام مبنى وزارة الخارجية بغضب: «تبّاً لك يا عراقجي… اللعنة على وجودكم»، يتضح أن النظام وقع أسيراً في حبائل الأزمات التي صنعها بيديه؛ فهم الذين قضوا سنوات طويلة في تحذير بعضهم بعضاً من ثنائية القطبية وتأجيج الكراهية خوفاً من تفجر الشارع، يجدون أنفسهم اليوم عاجزين عن لجم اندفاع وتطرف قواهم الإيديولوجية المحبطة.
عجز الولي الفقيه الجديد وتفاقم أزمة الخلافة
في خضم هذا التلاطم، يمثل الهجوم العلني لأعضاء برلمان النظام، ومنهم أمير حسين ثابتي وحميد رسائي، مؤشراً قاطعاً على انهيار هيبة وسلطة الولي الفقيه الجديد. فقد وجه ثابتي تحذيراً شديد اللهجة لفريق التفاوض معتبراً أن فتح مضيق هرمز يشكل «خيانة عظيمة»، مشيراً إلى مسودة النص بالقول: «إننا أمام اتفاق أضعف من الاتفاق النووي السابق ، ولم تُراعَ فيه الخطوط الحمراء للقائد» (13 يونيو 2026).
ومن جانبه، شن حميد رسائي هجوماً على تغريدات وزير الخارجية عباس عراقجي، متهماً إياه باللعب في أرض دونالد ترامب عبر قناته في تلغرام قائلاً: «لماذا تغرد بنص إنجليزي يعجب ترامب ليعيد نشره على صفحته؟».
في عهد علي خامنئي، كان التشكيك العلني في السياسات الكلية وتحدي ممثلي الحاكم خطاً أحمر فاصلاً؛ أما اليوم، فتتشابك أجنحة السلطة في الشوارع وتكشر عن أنيابها لبعضها بعضاً، مما يثبت أن الخلافة الموروثة فشلت في تأمين القوة اللازمة لضبط مافيات النفوذ، وأن الولي الفقيه الجديد أضعف وأقل إرادة من أن يفرض التوازن بين كارتيلات السلطة.
ذعر الاستخبارات والقضاء من السقوط الشامل
أثارت هذه المواجهة الحادة رعباً حقيقياً في النواة الصلبة للسلطة، مما دفع بالمؤسسات القمعية الكبرى لاستجداء الحفاظ على الوحدة والتجانس الظاهري; إذ كتبت صحيفة «جوان أونلاين»، البوق الدعائي التابع لجناح في حرس النظام، بنبرة ملؤها التوجس والهلع:
في بعض تجمعات طهران ولاسيما المحافظات، يعمد بعض الخطباء إلى بذر شقاق الفرقة بين الناس، ويشككون بالكامل في أركان ومؤسسات صنع القرار في النظام، بل ويهددون بتدمير البرلمان ووزارة الخارجية فوق رؤوس مسؤوليهم! يطالبون بحل المجلس الأعلى للأمن القومي، ويوجهون سهام حملاتهم نحو مسؤولي الحكومة، وفريق التفاوض، وحتى القادة العسكريين. يصورون قيادة البلاد المقتدرة بصورة الضعيف العاجز والمغيب عن الحقيقة، ويصنفون كافة المسؤولين المرابطين في أخطر الثغور الأمنية كخونة ومستسلمين.
تصريحات جي دي فانس: طهران لن تتلقى دولاراً واحداً مباشراً من واشنطن ومذكرة التفاهم مقتضبة جداً
أكد نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، أن النظام الإيراني لن يتلقى أي مدفوعات نقدية مباشرة من الولايات المتحدة، موضحاً أن أي منفعة اقتصادية محتملة لطهران ستكون ناتجة حصراً عن تعليق بعض العقوبات أو الإعفاء منها لبيع النفط والسلع الأخرى نتيجة لتخفيف القيود. وأشار فانس في مقابلة تلفزيونية إلى أن مذكرة التفاهم الحالية مقتضبة للغاية ولا تتجاوز صفحة ونصف الصفحة.
الموقف الأمريكي | يونيو 2026 – تسلط تصريحات نائب الرئيس الضوء على الحدود الاقتصادية الصارمة للتفاهمات الناشئة مع طهران، في مسعى لتوضيح طبيعة الإعفاءات المشروطة وتجنب الانتقادات الداخلية بشأن التمويل المباشر

وتزامناً مع هذا التحذير الإعلامي، سارع رئيس جهاز القضاء، محسني إيجئي، للدخول إلى الحلبة بارتباك معلناً: «لا تسمحوا لسيئي النوايا بإحداث شرخ في الصفوف المتراصة». إن هذه الخطابات الجوفاء لا تترجم القوة، بل تفضح الانسداد والعجز في المرحلة النهائية؛ لإدراكهم أن أي تصدع في المظهر الخارجي لآلة البطش سيهيئ الأرضية فوراً لاندلاع الانتفاضة الحاسمة للشعب المطالب بإسقاط النظام.
التنصل من المسؤولية وهروب علم الهدى من تجرع كأس السم
وفي مشهد مكمل لهذا الارتباك البنيوي، خرج الملا علم الهدى في مشهد ليشبه المفاوضات بقصة الفأر والقط، قائلاً عبر تلفزيون شبكة خراسان في 12 يونيو 2026:
«انظروا يا أعزائي، مسألتنا مع أمريكا هي مسألة الفأر والقط… أبشروا بأن القط قد صار عابداً زاهداً ومسلماً! ذلك القاتل وسافك الدماء واللص الكاذب يدعي أن الأمر انتهى وأنه أنهى الحرب… كم مرة أعلن وقف إطلاق النار ثم نكث عهده؟ إن نهاية هذه الحرب تشبه تماماً إعلانات وقف إطلاق النار السابقة… لن يقبل أصغر فرد في مجتمعنا وأمتنا، ولو كان طفلاً في الخامسة أو السادسة من عمره، بأي تفاهم أو تعاقد ما لم يحمل توقيع وموافقة رهبر وتأييده الشخصي».
إن هذه الاستماتة اللفظية من قِبل علم الهدى تهدف بيأس إلى إزاحة عبء التنازلات المريرة وتبعات كأس السم والانسداد السياسي عن كاهل الولي الفقيه الجديد قليل الخبرة، وإلقاء اللوم على الجناح المقابل؛ في حين يظل السكوت المطبق لمجتبى خامنئي دليلاً قاطعاً على موقعه المتزلزل، وتجسيداً حياً لانسداد المنظومة بأسرها في هذه الأجواء الشائكة والمضطربة.

