من مسرحية التشييع إلى عودة الشارع… الإيرانيون يستعيدون صوت الاحتجاج بعد أربعة أشهر من مقتل خامنئي
بعد أربعة أشهر على مقتل الولي الفقيه علي خامنئي، حاول النظام الإيراني استثمار مراسم التشييع التي نظمها بعناية لتقديم صورة توحي بالتماسك والوحدة والاستقرار، في وقت كان يسعى فيه إلى احتواء آثار الانتفاضات الشعبية والأزمات الداخلية المتفاقمة. غير أن عودة الاحتجاجات والإضرابات إلى مختلف المدن الإيرانية فور انتهاء مراسم الحداد الرسمية كشفت محدودية تأثير هذه الحملة الدعائية، وأعادت إلى الواجهة اتساع الهوة بين السلطة والمجتمع، وسط تصاعد المطالب المعيشية والسياسية واستمرار حالة الاحتقان الشعبي.
لم تكن مراسم التشييع الطويلة تعبيراً عن مشاعر حزن عفوية، بقدر ما مثلت محاولة سياسية وأمنية لإظهار تماسك النظام، وتهيئة الأجواء لتمرير مشروع التوريث غير الشرعي لمنصب الولي الفقيه إلى مجتبى خامنئي، في ظل واحدة من أكثر المراحل حساسية التي يمر بها النظام. وسعى الإعلام الرسمي إلى تقديم مشاهد الحشود بوصفها دليلاً على الالتفاف الشعبي، في حين تحدثت تقارير عن ضغوط مورست على شرائح مختلفة لإجبارها على المشاركة في المراسم.
ووفقاً لهذه التقارير، تعرض موظفون أكراد في المؤسسات الحكومية لتهديدات بالفصل من وظائفهم إذا امتنعوا عن ركوب الحافلات المتجهة إلى طهران وقم، كما واجهت عائلات تعتمد على مساعدات لجنة الإغاثة ومنظمة الرعاية الاجتماعية تهديدات بوقف إعاناتها المالية إذا لم تشارك في مراسم التشييع.
وفي المقابل، لم تنجح هذه المراسم في إخفاء الانقسامات المتفاقمة داخل بنية السلطة، إذ برزت مؤشرات واضحة على تصاعد الخلافات بين أجنحة النظام، تمثلت في تهميش عدد من الرؤساء السابقين وإبعادهم عن المواقع الأمامية خلال المراسم، إضافة إلى وقوع مشادات واحتكاكات بين أنصار التيارات المتنافسة، الأمر الذي عكس استمرار الصراع الداخلي رغم محاولات إظهار الوحدة.
ومع انتهاء فترة الحداد الرسمية، استعادت الاحتجاجات الشعبية زخمها سريعاً، لتؤكد أن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تعصف بالبلاد لا يمكن احتواؤها عبر الحملات الدعائية أو الإجراءات الأمنية. ففي يومي 11 و12 يوليو/تموز 2026، شهدت مدن عدة، بينها طهران، وكرمانشاه، والأهواز، وشيراز، وأصفهان، ودامغان، والشوش، موجة جديدة من الاحتجاجات والإضرابات التي شاركت فيها شرائح اجتماعية واسعة.
لليوم الثاني على التوالي.. احتجاجات من نُهبت أموالهم في طهران
— منظمة مجاهدي خلق الإيرانية (@Mojahedinar) July 13, 2026
الاثنين 13 يوليو
تظاهر، اليوم، لليوم الثاني على التوالي، مواطنون من تبريز نُهبت أموالهم، احتجاجًا على ما وصفوه باستيلاء شركات حكومية على أموالهم.
وخلال الاحتجاج، هاجمت قوات الأمن التابعة للنظام المتظاهرين، ما أدى… pic.twitter.com/pIAKX2IOn3
وشملت التحركات متقاعدي الضمان الاجتماعي، ومتقاعدي صندوقي الاتصالات والصلب، ومواطنين قالوا إن أموالهم تعرضت للنهب من قبل شركة سايبا للسيارات، إلى جانب عمال مناجم الفحم في دامغان، وطلاب جامعة شيراز المحتجين على تردي الأوضاع المعيشية، فضلاً عن أعضاء نقابة الخبازين في محافظة البرز. وجرت بعض هذه الاحتجاجات في ظروف مناخية قاسية، حيث واصل متقاعدو مدينة الشوش تظاهراتهم تحت درجات حرارة تجاوزت 50 درجة مئوية، مطالبين بحقوقهم المعيشية ومنددين بالتمييز المستمر.
وفي هذا السياق، وجهت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من قبل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية (NCRI)، تحية إلى المحتجين، وكتبت في تدوينة عبر منصة إكس بتاريخ 12 يوليو/تموز:
«تحية للمتقاعدين المنتفضين الذين نزلوا اليوم إلى الشوارع في كرمانشاه وشوش والأهواز ودزفول وطهران ورشت وغيرها من المناطق في إيران، للمطالبة بالحد الأدنى من حقوقهم في ظل الحرارة الشديدة».
تحية للمتقاعدين المنتفضين الذين نزلوا اليوم إلى الشوارع في كرمانشاه وشوش والأهواز ودزفول وطهران ورشت وغيرها من المناطق في إيران، للمطالبة بالحد الأدنى من حقوقهم في ظل الحرارة الشديدة.
— مریم رجوي (@Maryam_Rajavi_A) July 12, 2026
لقد أثبتوا عبر هتافات مثل: (لن ننال حقوقنا إلا في الشارع)، و(يكفي إشعالا للحروب موائدنا خاوية)،… pic.twitter.com/K2QQIbX7vF
وأكدت السيدة رجوي أن المحتجين عبروا بوضوح عن مطالبهم من خلال شعارات مثل: «لن ننال حقوقنا إلا في الشارع»، و**«يكفي إشعالاً للحروب… موائدنا خاوية»، و«التضخم والغلاء… لا للحرب والدمار»، و«يجب إطلاق سراح العمال والمعلمين المسجونين»**، معتبرة أن هذه الشعارات تعكس قناعة متزايدة بأن جوهر الأزمة يكمن في مصادرة إرادة الشعب من قبل ديكتاتورية الملالي، وأن طريق التغيير يمر عبر استمرار الاحتجاجات والانتفاضة الشعبية.
وتعكس التطورات الأخيرة، بحسب مراقبين، أن الحملات الدعائية، والحشود المنظمة، والإجراءات الأمنية المشددة لم تنجح في إعادة إنتاج شرعية النظام أو في إخماد حالة الغضب الشعبي. كما تشير عودة مختلف فئات المجتمع إلى ساحات الاحتجاج فور انتهاء مراسم التشييع إلى استمرار الأزمة البنيوية التي يواجهها النظام، وإلى أن المطالب الشعبية المرتبطة بإنهاء الفساد، ووقف الإعدامات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وإنهاء سياسات الحرب، ما زالت تتصدر المشهد السياسي، في ظل استمرار الدعوات إلى إقامة جمهورية ديمقراطية تقوم على الحرية وسيادة الشعب.

