إيران: كيف حوّل رضا بهلوي انتهاكات الدستور إلى إنجازات لجده ووالده
في منشور حديث على منصة إكس بمناسبة الذكرى السنوية للمرسوم الدستوري الإيراني لعام 1906، ادّعى رضا بهلوي، وريث العرش المخلوع الذي يقدّم نفسه ولياً للعهد، أن جزءاً كبيراً من مُثُل رواد الدستور تحقّق ونُفّذ في عهد الملكين البهلويين. وأشاد بجدّه رضا شاه بهلوي (1925–1941) ووالده محمد رضا شاه بهلوي (1941–1979) بوصفهما منفّذين لمبادئ الدستورية والعدالة الحديثة والسيادة الوطنية. غير أن السجل التاريخي يروي قصة مغايرة تماماً؛ فبدلاً من احترام دستور 1906، انتهك الشاهان البهلويان نصّه بشكل ممنهج، وقوّضا مؤسساته، وسحقا الحركات ذاتها التي سعت إلى تحقيق وعوده. وما يحتفي به رضا بهلوي اليوم بوصفه إنجازات لم يكن في الحقيقة سوى غنائم حكم استبدادي، بُني على انقلابات وتعديلات دستورية صُممت لخدمة السلطة السلالية، وعلى قمع البرلمان والصحافة والمعارضة السياسية.
دستور 1906: عقد بين العرش والأمة
لم يكن الإطار الدستوري لعامي 1906–1907 وثيقة شكلية، بل كان أول محاولة جادة لتقييد الاستبداد الشاه وإرساء دولة القانون في إيران. تضمّن الدستور إلزام الشاه بالتقيّد بأحكامه، وتأسيس برلمان منتخب (المجلس) يتمتع بسلطة تشريعية ومساءلة الحكومة، وضمانات للحريات المدنية كحرية الصحافة وتكوين الجمعيات، فضلاً عن استقلال القضاء وحماية القضاة من العزل التعسفي. وقد شكّل هذا الدستور عقداً بين الملكية والأمة، عقداً خرقه الملكان البهلويان مراراً.
رضا شاه: اغتصاب السلطة تحت غطاء الدستور
لم يرث رضا شاه العرش عبر مسار دستوري شرعي، بل استولى عليه؛ ففي عام 1925، عزلت جمعية تأسيسية، انعقدت في ظروف قانونية مشكوك فيها، أحمد شاه القاجاري، وعدّلت مواد الدستور لتنصيب رضا بهلوي ملكاً وجعل العرش وراثياً في أسرته. وتخلص دراسة تاريخية-قانونية صدرت عام 2025 إلى أن هذا الانتقال للسلطة تناقض مع المبادئ الدستورية وتمّ عبر عملية شبه استبدادية بمشاركة شعبية محدودة.
ولم يتوقف الانتهاك عند الاستيلاء على العرش؛ ففي عام 1931، أمر رضا شاه بإعادة تفسير مواد الدستور الضامنة لاستقلال القضاء بما يسهّل عزل القضاة، في خرق واضح لتلك الضمانة. كما أعاد تفسير مادة تنظيم أصل والدة ولي العهد عام 1938 لخدمة مصالح أسرته، لا احتراماً للنص الدستوري. وإلى جانب ذلك، حظر الأحزاب السياسية، وقمع الانتفاضات، وحدّ من نفوذ الملالي، وحوّل البرلمان إلى أداة شكلية، وكمّم الصحافة الحرة، واعتقل قادة سياسيين كمحمد مصدق، فيما لقي آخرون حتفهم أو دُفعوا إلى الانتحار، كما حظرت النقابات العمالية واعتُقل 150 من قادتها بين عامي 1927 و1932.
محمد رضا شاه: من تعديل الدستور إلى الانقلاب على الحكومة المنتخبة
في عام 1949، هندس محمد رضا شاه تعديلاً دستورياً منحه حق حل مجلسي البرلمان (المجلس والشيوخ)، محوّلاً بذلك السلطة التشريعية إلى مؤسسة يستطيع الملك حلّها بقرار منفرد. وجاء هذا التعديل عقب محاولة اغتيال استغلّها الشاه لإعلان الأحكام العرفية وسحق المعارضة.
أما أخطر انتهاك دستوري في عهده فتمثّل في انقلاب أغسطس 1953 ضد رئيس الوزراء المنتخب محمد مصدق، بالتعاون مع الاستخبارات البريطانية والأمريكية، وهو انقلاب وُصف بأنه قوّض الدستور وحطّم الديمقراطية ودمّر الحريات المدنية. وفي أعقاب الانقلاب، حظر الشاه الجبهة الوطنية، واعتقل معظم قادتها، وأشرف على إعدام وتعذيب وسجن آلاف الناشطين السياسيين بين عامي 1953 و1958. وبعد استعادته للسلطة بمساعدة أمريكية-بريطانية، حكم بالأحكام العرفية والرقابة والإرهاب، وأعدم أعوانه المئات من المواطنين، من بينهم نواب في البرلمان ومصرفيون وموظفون حكوميون وملّاك أراضٍ. وفي أوائل الستينيات، علّق البرلمان وأطلق الثورة البيضاء، وهو برنامج تغريب فرضه متجاوزاً المؤسسات الديمقراطية.
تحديث بلا دستورية: تنمية تحت حكم الاستبداد
يسرد منشور رضا بهلوي سلسلة من الإنجازات البهلوية، كإنشاء قضاء حديث وسكة حديد عابرة للبلاد وتحديث الجيش وتأسيس البنك الوطني. غير أن هذه التطورات لم تكن إنجازات دستورية، بل عمليات تحديث استبدادية نُفّذت دون موافقة برلمانية، وغالباً ضد الإرادة الشعبية، بتمويل من دولة كانت تأتمر بأمر الشاه لا بإرادة الشعب. فكلا الملكين استخدم الشرطة السرية والتعذيب والإعدامات لخنق المعارضة السياسية، وحوّلا البرلمان إلى أداة شكلية وحظرا الأحزاب والنقابات.
عرش بلا ضمير
منشور رضا بهلوي ليس تكريماً للدستورية، بل بيان تحريفي يسعى إلى إعادة كتابة الإرث الاستبدادي لأسرته بوصفه إرثاً دستورياً. فالوقائع واضحة: استولى رضا شاه على السلطة عبر انقلاب دستوري، وانتهك استقلال القضاء، وتلاعب بقواعد التوارث، وحكم بمراسيم تعسفية؛ فيما عدّل محمد رضا شاه الدستور لحل البرلمان، ودبّر انقلاباً على حكومة منتخبة، وحكم بالأحكام العرفية والرقابة والإرهاب. وكلاهما قمع الأحزاب، وحظر النقابات، وكمّم الصحافة، وحوّل البرلمان إلى أداة شكلية.
إن زعم رضا بهلوي أن والده وجده حقّقا ونفّذا مُثُل مرسوم 1906 الدستوري ليس مجرد تحريف، بل محاولة متعمّدة لسرقة إرث الدستوريين الإيرانيين ووضعه على رأس من سحقوهم.


