تصاعد الأزمات الداخلية يعمّق مأزق طهران.. المقاومة ترى أن النظام يقترب من لحظة الحسم
مع تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في إيران، تتزايد المؤشرات التي تدفع أطرافاً معارضة إلى اعتبار أن النظام يواجه مرحلة مفصلية غير مسبوقة، بعدما تراجعت فاعلية الأدوات التي اعتمد عليها لعقود لضمان بقائه، في وقت يتنامى فيه الحراك الشعبي وتتوسع أنشطة قوى المعارضة المنظمة داخل البلاد.
من استراتيجية البقاء إلى مأزق التراجع
ترى أوساط المعارضة الإيرانية أن الرفض الشعبي لحكم الولي الفقيه لم يعد مجرد مطلب سياسي تتبناه قوى المعارضة، بل تحول إلى واقع يفرض نفسه على المشهد الداخلي. ووفق هذا التقييم، دخل النظام مرحلة توصف بـ«مأزق السقوط»، حيث لم تعد أدوات القمع أو السياسات الإقليمية قادرة على احتواء التحديات المتراكمة أو الحد من تصاعد الغضب الشعبي.
ومنذ يونيو 1981، عندما أُغلقت أبواب العمل السياسي أمام المعارضين وبدأت حملة واسعة من الإعدامات والإجراءات الأمنية، اعتمدت السلطة على القمع بوصفه وسيلة رئيسية لإدارة الأزمات الداخلية. وخلال العقود اللاحقة، تمكنت من كسب الوقت عبر المناورة السياسية واستغلال المتغيرات الإقليمية والدولية، إلا أن هذه الأساليب، بحسب معارضين، أصبحت اليوم عاملاً إضافياً في تعميق أزماتها.
من طهران إلى الأهواز.. متقاعدو الاتصالات والصلب يحتجون على الفقر ونهب مؤسسات الحرس
«مؤسسة تنفيذ أوامر الولي الفقيه وتعاونيات لحرس النظام عار على الأمة» 10 أغسطس 2026 ، شهدت إيران موجة جديدة وموسعة من التظاهرات المسيرية والتجمعات الاحتجاجية التنسيقية التي قادها متقاعدو شركة الاتصالات الوطنية إلى جانب متقاعدي قطاع الصلب. وامتدت هذه الاحتجاجات لتشمل ثماني مدن ومحافظات رئيسية هي: طهران، أصفهان، كرمانشاه، سنندج، بيجار، أراك، أردبيل، والأهواز. وجاءت هذه التحركات الميدانية الغاضبة أمام مباني الضمان الاجتماعي والمقار المركزية لشركة الاتصالات، رداً على خنق المعيشة وارتفاع معدلات التضخم الفاحش، وتنديداً مباشراً بالجهات المالكة للشركة المتمثلة في مؤسسة تنفيذ أمر خميني و«تعاونيات حرس النظام»، إلى جانب رفع المطالب الحازمة بوقف عقوبة الإعدام وسياسات إشعال الحروب.
احتجاجات المتقاعدين | شركة الاتصالات | حرس النظام | التضخم في إيران

تصدير الأزمات كخيار استراتيجي
وتشير قراءات معارضة إلى أن قيادة النظام أدركت مبكراً صعوبة التوفيق بين نموذجها السياسي ومطالب المجتمع الإيراني بالحرية والانفتاح، ما دفعها إلى تبني سياسة تقوم على تصدير الأزمات إلى الخارج باعتبارها وسيلة للحفاظ على تماسك السلطة.
وفي هذا الإطار، جرى استخدام الحرب الإيرانية العراقية بوصفها أكثر من مجرد مواجهة عسكرية، إذ تحولت إلى أداة لتعزيز السيطرة الداخلية وترسيخ سلطة الولي الفقيه. كما اتسع لاحقاً نطاق النفوذ الإقليمي عبر شبكات وتحالفات عابرة للحدود. غير أن هذه السياسات، التي وفرت للنظام هامشاً للتحرك لسنوات طويلة، ساهمت في المقابل في استنزاف موارد البلاد وتراكم أزمات هيكلية يصعب معالجتها.
دروس الماضي وتراجع السلطة تحت الضغوط
ويستشهد معارضون بمحطات تاريخية لإثبات أن النظام اضطر في أكثر من مناسبة إلى التراجع عندما أصبحت كلفة الاستمرار مرتفعة للغاية. ومن أبرز هذه المحطات قبول وقف إطلاق النار في الحرب الإيرانية العراقية، وهو القرار الذي وصفه خميني آنذاك بـ«تجرّع كأس السم».
وتؤكد هذه القراءة أن ضغوط المقاومة المنظمة وتحولات الميدان لعبت دوراً مؤثراً في دفع السلطة إلى اتخاذ ذلك القرار، معتبرة أن الأنظمة الاستبدادية قد تضطر إلى التراجع عندما تتحول أدوات السيطرة إلى أعباء يصعب تحملها.
أزمة مركبة تتجاوز الاحتواء التقليدي
بحسب رؤية المعارضة، تختلف الأزمة الحالية عن التحديات التي واجهها النظام خلال العقود الماضية، إذ إنها لا تقتصر على ملف واحد يمكن استيعابه عبر القمع أو التنازلات المحدودة.
فالبلاد تواجه، وفق هذا الطرح، مزيجاً من الركود الاقتصادي والارتفاع المستمر في الأسعار وتضخم شهري وسنوي متصاعد، إلى جانب اتساع حالة السخط الاجتماعي وتزايد الانقسامات داخل بنية السلطة نفسها.
ويرى مراقبون معارضون أن إجراءات القمع تؤدي إلى نتائج عكسية عبر زيادة الاحتقان الشعبي، بينما تسهم التدخلات الخارجية في استنزاف الموارد وتعميق الضغوط على النظام.
المقاومة المنظمة وتعاظم الحراك الشعبي
وتؤكد المعارضة الإيرانية أن أحد أهم التحولات الراهنة يتمثل في التلاقي بين الاحتجاجات الشعبية المتواصلة وشبكات المقاومة المنظمة داخل المدن الإيرانية.
ووفق هذا التقدير، فإن توسع هذه الشبكات وتنظيمها المتزايد جعلا من الصعب على السلطات احتواء الحراك أو الحد من تأثيره. كما ترى المعارضة أن الاعتقالات والإعدامات، رغم استمرارها، لا تشكل دليلاً على استقرار النظام بقدر ما تعكس حجم القلق الذي يواجهه في التعامل مع التحديات الداخلية.
تضاؤل الخيارات أمام السلطة
وتعتقد الأوساط المعارضة أن النظام استنفد معظم الأدوات التي استخدمها سابقاً لاحتواء الأزمات، سواء عبر المناورات الداخلية أو عبر تصدير الأزمات التي اشترى بها الوقت لعقود.
وبحسب هذا التقييم، لم تعد لدى السلطة وسائل جديدة قادرة على تغيير موازين المشهد أو تخفيف الضغوط المتراكمة عليها، في وقت تتسع فيه الفجوة بين المجتمع ومؤسسات الحكم.
بين حافة الحرب وانهيار الاقتصاد.. نظام الولي الفقيه في إيران يواجه أزمة شرعية خانقة
لا تزال ظلال المرحلة الماضية تخيم على العاصمة طهران، لكن الحضور الشبحي للولي الفقيه الجديد، مجتبى خامنئي، بات يشكل عامل شلل حقيقي لمؤسسات الدولة في إيران. لقد صعد الرجل إلى دكة الحكم في أعقاب اغتيال والده وفي خضم حالة من الفوضى والحروب الإقليمية، ليجد نفسه محاصراً بتبعات حرب أسبغت عليه شرعية طارئة، لكنها أصبحت في الوقت ذاته مهدداً وجودياً لبقائه السياسي.
مجتبى خامنئي | ولاية الفقيه | أزمة الشرعية | إيران

مرحلة جديدة في المشهد الإيراني
في ضوء هذه التطورات، ترى المعارضة أن إيران دخلت مرحلة مختلفة عنوانها تآكل قدرة النظام على إدارة الأزمات بالأساليب التقليدية. وتؤكد أن ما تشهده البلاد اليوم ليس حالة اضطراب مؤقتة، بل نتيجة مباشرة لتراكم أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية امتدت لعقود.
وتخلص هذه القراءة إلى أن النظام يواجه تحدياً غير مسبوق أمام مجتمع يطالب بالتغيير، وسط قناعة متزايدة لدى القوى المعارضة بأن معادلة كسب الوقت لم تعد فاعلة، وأن مستقبل البلاد بات مرتبطاً بمسار التحولات السياسية الجارية داخل إيران.

