صراع الأجنحة وفراغ القيادة يعمّقان أزمة الحكم في طهران
تكشف حدة الصراعات الداخلية بين أجنحة السلطة في طهران عن أزمة بنيوية متفاقمة تجاوزت حدود الخلافات السياسية التقليدية، لتصبح صراعاً على مراكز النفوذ وآليات اتخاذ القرار في ظل مؤشرات متزايدة على وجود فراغ قيادي واضطراب داخل هرم الحكم. وفي وقت تتصاعد فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، تبدو شعارات التماسك والوحدة التي تروج لها المؤسسات الرسمية بعيدة عن واقع يتسم بتنامي الانقسامات وتراجع قدرة النظام على احتواء أزماته المتلاحقة.
وقد برزت هذه الأزمة إلى الواجهة من خلال تصريحات أدلى بها محمد أبو طالبي، أحد منظّري مؤسسة خميني، حذر فيها من محاولات داخلية لاستثمار غياب الولي الفقيه بهدف تقليص صلاحيات هذا المنصب ونقل بعض مراكز القرار إلى مؤسسات أخرى. وتُظهر هذه التصريحات حجم الجدل الدائر داخل أوساط السلطة بشأن مستقبل بنية الحكم وآليات إدارة الدولة، في ظل تصاعد التساؤلات حول توازن القوى داخل النظام.
انفجار الخلافات بعد مسرحية التشييع.. انهيار مسودة التفاهم يدفع النظام نحو خيارات انتحارية
عادت الانقسامات الداخلية إلى الواجهة داخل النظام الإيراني فور انتهاء مراسم تشييع علي خامنئي، حيث تجددت الصراعات بين أجنحة السلطة حول مصير مسودة التفاهم ومستقبل المسار الدبلوماسي في ظل تصاعد الضغوط الداخلية.
تقارير سياسية | يوليو 2026 – الانقسامات الداخلية داخل نظام الولي الفقيه

وفي المقابل، يواصل التيار المتشدد التشديد على مبدأ الطاعة المطلقة لقرارات الولي الفقيه، وهو ما عبّر عنه إمام جمعة طهران أحمد خاتمي من خلال دعوته إلى الالتزام الكامل بقرارات القيادة دون نقاش أو مراجعة. إلا أن هذا النهج يعكس، بحسب مراقبين، المخاوف المتزايدة من اتساع الخلافات داخل مؤسسات الحكم وتراجع قدرة السلطة على فرض حالة من الانسجام بين مختلف مراكز النفوذ.
وتجلت مظاهر الارتباك المؤسسي أيضاً في تصريحات الرئيس مسعود بزشكيان، الذي أشار إلى وجود تباينات وخلافات داخل المجلس الأعلى للأمن القومي، موضحاً أن بعض القرارات التي تحظى بتوافق واسع تبقى معلقة بانتظار موافقات نهائية من مستويات عليا. ويعكس هذا الواقع حالة من البطء والتعقيد في آليات صنع القرار، ما ينعكس على إدارة الملفات السياسية والاقتصادية الحساسة.
وامتدت تداعيات هذه الخلافات إلى البرلمان، حيث تصاعدت الانتقادات المتبادلة بين النواب والمسؤولين بشأن قضايا التفاوض والملفات الإقليمية والسياسات الاقتصادية. كما شهدت المؤسسة التشريعية سجالات علنية حول أداء بعض القيادات السياسية ودورها في إدارة الأزمات المتراكمة، في وقت تتزايد فيه شكاوى المواطنين من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم.
وتتزامن هذه التطورات مع انتقادات متواصلة لما يصفه معارضون بأنه نهب منظم للثروات الوطنية من قبل المؤسسات المرتبطة بالسلطة وحرس النظام الإيراني، حيث تتهم هذه الجهات بتوجيه موارد مالية ضخمة نحو المشاريع العسكرية والأنشطة الإقليمية على حساب معالجة الأزمات الاقتصادية وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.
وفي ظل هذه الظروف، تواجه السلطات معادلة معقدة تتمثل في العجز عن تقديم حلول اقتصادية فعالة دون المساس بمراكز النفوذ والمصالح الراسخة داخل النظام. كما أن استمرار السياسات الأمنية المشددة لم ينجح في الحد من حالة التململ الاجتماعي أو احتواء الانتقادات المتصاعدة للأوضاع الاقتصادية والخدمات العامة.
إيران ما بعد الحرب والاسترضاء: فشل الاستراتيجيات الخارجية وحتمية البديل الديمقراطي الداخلي
تؤكد القراءات الاستراتيجية فشل المقاربات الخارجية تجاه إيران، سواء عبر مسارات التفاوض والاسترضاء أو من خلال الضربات العسكرية، في صياغة حل سياسي مستدام. ويكمن الخلل الجوهري لهذه السياسات في تجاهل عامل التغيير الأساسي: قوة الشعب الإيراني وحتمية البديل الديمقراطي الداخلي القادر وحده على تفكيك بنية نظام الولي الفقیة وإرساء دعائم الاستقرار والحرية.
البديل الديمقراطي | سياسة الاسترضاء | نظام الولي الفقیة | يوليو 2026

ومع اتساع رقعة التصدعات الداخلية، اتجهت السلطة إلى تعزيز حضور شخصيات أمنية وعسكرية في مواقع مؤثرة، إلى جانب تشديد الرقابة على الأصوات المعارضة. إلا أن هذه الإجراءات لا تبدو كافية لمعالجة الأسباب العميقة للأزمة، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وتصاعد السخط الشعبي.
ويعكس تصاعد الصراع بين أجنحة الحكم في طهران حالة من الانسداد السياسي والإداري داخل بنية النظام، حيث لم تعد أدوات القمع أو الدعوات إلى الطاعة المطلقة قادرة على احتواء الصدع الداخلي المتنامي. ومع استمرار الخلافات وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، يجد النظام نفسه أمام تحديات متزايدة تهدد تماسكه الداخلي وتضعه في مواجهة مباشرة مع حالة الغضب المتصاعدة داخل المجتمع الإيراني.

