الاتحاد من أجل الحرية والديمقراطية والمساواة​

هلع رسمي في طهران من تكرار الانتفاضة وسط اعترافات بعجز الحلول الأمنية أمام تجويع المواطنين يشهد الاقتصاد الإيراني انهياراً تاريخياً غير مسبوق، مع تراجع قياسي لقيمة العملة الوطنية

هلع رسمي في طهران من تكرار الانتفاضة وسط اعترافات بعجز الحلول الأمنية أمام تجويع المواطنين

هلع رسمي في طهران من تكرار الانتفاضة وسط اعترافات بعجز الحلول الأمنية أمام تجويع المواطنين

يشهد الاقتصاد الإيراني انهياراً تاريخياً غير مسبوق، مع تراجع قياسي لقيمة العملة الوطنية وتصاعد أزمة الوقود والمشتقات النفطية، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل أجهزة الحكم من تحول الضغوط المعيشية إلى انتفاضة شعبية واسعة تتجاوز قدرة الحلول الأمنية على احتوائها.

انهيار العملة وتآكل القدرة الشرائية

وصل الاقتصاد الإيراني إلى مرحلة شديدة الخطورة بعدما فقد الريال جزءاً كبيراً من قيمته، نتيجة السياسات الاقتصادية للنظام والفساد الهيكلي وشبكات النهب. وقد تجاوز سعر الدولار الأمريكي حاجز المليوني ريال للمرة الأولى في السوق الموازية، مسجلاً مستويات قياسية، بالتزامن مع ارتفاعات تاريخية في أسعار اليورو والجنيه الإسترليني والدرهم الإماراتي. وأدى هذا الانهيار المتسارع إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين، وارتفاع معدلات الغلاء والتضخم، ودفع ملايين الأسر نحو الفقر المدقع.

وفي ظل هذه الظروف، بات المجتمع الإيراني يعيش حالة من الاحتقان المتزايد، فيما تحاول سلطة الولي الفقيه استخدام التوترات والمغامرات العسكرية الإقليمية للتغطية على أزماتها الداخلية. غير أن هذه السياسات أسهمت بدورها في تعميق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وزيادة المخاوف من انفجار شعبي واسع.

أزمة الوقود وتوسع رقعة البؤس

لا يقتصر الانهيار الاقتصادي على العملة والأسعار، بل امتد إلى قطاع الوقود والنقل، حيث تشهد مناطق مختلفة من البلاد أزمة خانقة وطوابير طويلة أمام محطات البنزين والديزل والغاز الطبيعي المضغوط. وتظهر هذه الأزمة في مناطق مثل أشكنان بمحافظة فارس، وزاهدان، إلى جانب محطات الوقود في العاصمة طهران.

وقد أقرت صحيفة جهان صنعت الحكومية باتساع رقعة الحرمان وترسخ ما وصفته بـ”خارطة جديدة للبؤس” في الجغرافيا الإيرانية. ويأتي ذلك في وقت تطرح فيه حكومة مسعود بزشكيان خططاً لرفع أسعار الوقود، مبررة ذلك بعجز الموازنة وتلف صهاريج التخزين ونقص السيولة.

ويثير أي قرار جديد برفع أسعار الوقود مخاوف كبيرة داخل مؤسسات النظام من تكرار موجة الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في نوفمبر 2019، عندما أدى رفع أسعار البنزين إلى اندلاع احتجاجات واسعة وإحراق محطات وقود في مدن إيرانية عديدة.

شبح نوفمبر 2019 يطارد أجهزة الحكم

تحذر وسائل الإعلام الرسمية من أن الظروف الاجتماعية الحالية أكثر احتقاناً مما كانت عليه في السابق، وأن أي صدمة سعرية جديدة قد تشعل الشارع من جديد. وتصف بعض التقارير المجتمع بأنه يقف فوق برميل بارود، يمكن أن تؤدي أي زيادة في الأسعار إلى تفجيره، كما حدث في احتجاجات سابقة عقب قضية مهسا أميني.

ويكشف هذا القلق عن إدراك متزايد داخل هرم السلطة بأن القوة الأمنية والعسكرية وحدها لا تستطيع معالجة جذور الأزمة الاقتصادية. وفي هذا السياق، جاءت تصريحات رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف التي قال فيها: «مهما بلغ حجم قوتنا العسكرية، فإننا لن نتمكن من البقاء إذا كان الشعب جائعاً».

انسداد استراتيجي ومخاوف من انتفاضة جديدة

تدرك سلطة الولي الفقيه بقيادة مجتبى خامنئي والدائرة الضيقة للحكم أن استمرار أجواء الحرب والتوتر الإقليمي يفاقم انهيار العملة ومعدلات التضخم، لكنه في الوقت نفسه يوفر ذريعة لاستمرار حالة الطوارئ وتشديد القمع الداخلي، بينما يتحمل المواطنون تكلفة بقاء السلطة وسط تدهور متواصل في أوضاعهم المعيشية.

غير أن هذه المعادلة تبدو أمام طريق مسدود. فقد تجاوز الشارع حاجز الخوف، وتداخلت الاحتجاجات المطلبية مع الاحتجاجات السياسية، الأمر الذي يزيد من مخاوف الأجهزة الأمنية من تحول أي أزمة اقتصادية جديدة إلى انتفاضة أوسع.

وتحذر دوائر أمنية وإعلامية، بينها منصة جماران، من أن الانتفاضة المقبلة قد لا تكون تقليدية، بل قد تتخذ طابعاً مركباً وهجيناً، مستفيدة من طاقات الشباب الغاضب ومن سخط الطبقات الكادحة التي تواجه ظروفاً اقتصادية قاسية ولم يعد لديها ما تخسره.

ويضع الانهيار القياسي للعملة وأزمة الوقود المتفاقمة نظام الولي الفقيه أمام مأزق تاريخي متزايد. فالتلويح بالقوة العسكرية لم يعد كافياً لاحتواء غضب ملايين المواطنين الذين يعانون من الفقر والحرمان، فيما تكشف اعترافات مسؤولي النظام ومخاوفهم من تكرار سيناريو نوفمبر 2019 عمق الأزمة التي تواجهها السلطة.

ومع استمرار سياسات النهب المنظم واستنزاف موارد البلاد، تتسع الفجوة بين السلطة والمجتمع، بينما تتزايد المخاوف الرسمية من أن تتحول الأزمات الاقتصادية المتراكمة إلى شرارة انتفاضة شعبية واسعة تقودها طاقات الشباب والطبقات المحرومة، وتفتح الباب أمام تغيير سياسي واجتماعي شامل.