إيران ما بعد الحرب.. الأزمات الكبرى التي تهدد بقاء النظام
في الوقت الراهن، يبدو أن الولايات المتحدة والنظام الإيراني لا يرغبان في استمرار الحرب العسكرية، وفي المقابل لم تحقق المفاوضات الجارية بينهما تقدماً ملموساً، لأن أياً من الطرفين لا يبدو مستعداً لدفع ثمن التراجع عن مواقفه.
ويعتقد النظام الإيراني أن الولايات المتحدة منشغلة ببطولة كأس العالم لكرة القدم، والضغوط الداخلية، والاستحقاقات الانتخابية، وضغوط دول المنطقة الساعية إلى إنهاء الحرب، فضلاً عن الضغوط الدولية الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز. ولذلك يرى أن واشنطن لا تستطيع تحمّل مرور الوقت، وأنها ستضطر في النهاية إلى القبول بشروطه إذا تمكن من الصمود. ومن هذا المنطلق، ورغم الكلفة الباهظة للحصار البحري والتداعيات الاقتصادية والاجتماعية للحرب، يواصل النظام سياسة التمسك بمواقفه على حساب معيشة الشعب الإيراني.
لكن الحقيقة المُرّة بالنسبة للنظام هي أنه سواء استمرت الحرب أم توقفت، فإنه لا يستطيع الهروب من حربه الأساسية مع الشعب الإيراني أو تأجيلها. فمع إغلاق قوس الحرب الخارجية سيجد نفسه أمام واقع عنيد اسمه «مرحلة ما بعد الحرب»، حيث يُفتح من جديد الملف الأساسي المتمثل في الصراع بين النظام والشعب والمقاومة المنظمة. ولهذا السبب تبدو مرحلة ما بعد الحرب كابوساً حقيقياً بالنسبة للنظام. وفي هذا السياق قال حميد رسائي: «أنا لا أخاف من الحرب، بل أخاف مما بعد الحرب».
وفي مرحلة ما بعد الحرب سيواجه النظام سلسلة من «الأزمات الكبرى» أبرزها:
1- الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية الكبرى التي بقيت كامنة تحت ظل الحرب، لكنها مرشحة للانفجار مع تصاعد الغضب المتراكم خلال العقود الأربعة الماضية.
2- أزمة خلافة مجتبى خامنئي، التي جُمّدت مؤقتاً بسبب ظروف الحرب، لكنها ستعود إلى الواجهة بعد انتهائها، ما سيؤدي إلى انقسام أجنحة النظام بين مؤيد ومعارض له. وقد ظهرت بعض المؤشرات على ذلك عندما قامت هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية، الخاضعة لنفوذ تيار جليلي، بحذف جزء من رسالة مجتبى خامنئي بمناسبة ذكرى وفاة الخميني.
3- أزمة الصراعات الداخلية بين أجنحة النظام حول السياسات الاستراتيجية، وما قد يترتب عليها من تصاعد الخلافات بين الحرس الثوري والبرلمان والحكومة.
4- أزمة إعادة إعمار الأضرار التي خلفتها الحرب في قطاعات النفط والبتروكيماويات والصلب والموانئ والمنشآت والبنية التحتية، وهي عملية قد تتطلب ما بين 300 و400 مليار دولار.
5- أزمة إعادة بناء القوات البحرية والجوية والدفاعات الجوية والقوات البرية.
6- أزمة إعادة بناء القدرات الصاروخية والنووية وشبكات الوكلاء الإقليميين التي تشكل ركائز استراتيجية بقاء النظام.
7- الأزمة الإقليمية والدولية التي تفاقمت بعد الحرب، خاصة بعد انكشاف طبيعة النظام بصورة أكبر، الأمر الذي سيجعل من الصعب العودة إلى التوازنات والعلاقات السابقة.
هل يستطيع النظام إدارة هذه الأزمات؟
يفتقر النظام إلى القدرة على إدارة هذه الأزمات الضخمة أو إيجاد حلول لها، وذلك لعدة أسباب:
أولاً: لم يعد يمتلك علي خامنئي الذي كان يمثل العمود الفقري للنظام ورأس ماله السياسي الأكبر.
ثانياً: إن مجتبى خامنئي نفسه أصبح جزءاً من المشكلة في مرحلة ما بعد الحرب، وليس جزءاً من الحل.
ثالثاً: يحتاج النظام إلى موارد هائلة لإعادة بناء قدراته النووية والصاروخية وشبكات نفوذه الإقليمية وتعزيز الحرس الثوري، لكنه لا يمتلك هذه الموارد، كما أن المجتمع الدولي لن يسمح له بذلك بسهولة.
رابعاً: إن إعادة بناء النظام بعد الحرب تتطلب شرعية اجتماعية واسعة، وموارد مالية ضخمة، ووحدة داخلية، ودعماً دولياً، ومجتمعاً مستقراً ومتوافقاً مع السلطة، وكوادر متخصصة، وقدرة على تحييد المعارضة المنظمة، فضلاً عن امتلاك عناصر القوة اللازمة لمواصلة القمع، والخروج من الحرب الخارجية بصورة منتصرة. وهي شروط لا يملك النظام أياً منها.
ما هو أفق مرحلة ما بعد الحرب؟
1- ستعود المطالب الاجتماعية إلى الواجهة، وسيصبح تجدد الاحتجاجات والانتفاضات أمراً شبه حتمي، ما قد يهيئ الأرضية لموجات جديدة من الاحتجاجات.
2- ستتسارع عملية انضمام العناصر المعارضة إلى تشكيلات المقاومة، الأمر الذي قد يؤدي إلى توسع نشاطها وتعزيز حضورها التنظيمي.
3- وسيجد الإيرانيون أنفسهم أمام مرحلة جديدة من الصراع السياسي والاجتماعي، قد تحمل تحولات مهمة في المشهد الداخلي الإيراني.


