التهديدات العسكرية للنظام الإيراني تكشف خوفه من الانتفاضة والمقاومة المنظمة
تكشف التطورات الأخيرة أن التصعيد العسكري الذي ينتهجه النظام الإيراني، عبر إطلاق التهديدات والصواريخ والخطابات النارية، لا يعكس بالضرورة حالة من القوة أو الثقة، بقدر ما يعبر عن محاولة لإظهار تماسك سياسي وعسكري في مواجهة الضغوط المتزايدة. وبينما تتعامل بعض وسائل الإعلام مع هذا التصعيد باعتباره دليلاً على امتلاك طهران زمام المبادرة في المنطقة، فإن الوقائع الداخلية ترسم صورة مختلفة تماماً.
فالتصريحات الصادرة عن مسؤولي النظام، وما تنقله وسائل إعلامه، إضافة إلى اتساع الانقسامات بين أجنحة السلطة، تؤكد أن نظام ولاية الفقيه يواجه حالة انسداد استراتيجي عميقة، يمكن اختصارها بالمقولة الإيرانية المعروفة: «لا يستطيع التقدم ولا يستطيع التراجع».
فأي محاولة للتوصل إلى تسوية حقيقية مع الولايات المتحدة أو المجتمع الدولي ستفرض على النظام معالجة الملفات التي يعتبرها أساس بقائه، وفي مقدمتها البرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، وشبكة الميليشيات التابعة له، وسياسة التدخل في شؤون دول المنطقة. وهذه الملفات لا ينظر إليها النظام باعتبارها أدوات دبلوماسية قابلة للمساومة، وإنما بوصفها ركائز وجودية لضمان استمرار سلطته.
ومن هذا المنطلق، فإن التصعيد العسكري لا يعكس قدرة النظام على فرض شروطه بقدر ما يكشف عجزه عن تغيير نهجه. فهو يدرك أن أي تراجع في هذه الملفات سينعكس مباشرة على الداخل، وسيؤدي إلى إضعاف قبضة حرس النظام الإيراني والأجهزة الأمنية، وتقويض خطاب التعبئة الدائمة الذي يستخدمه لتبرير القمع وإحكام السيطرة على المجتمع.
وقد برز هذا المأزق بوضوح في موقف مجتبى خامنئي من مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة. فلو كان النظام يمتلك هامشاً للمساومة وتقديم تنازلات محسوبة، لكان من الطبيعي أن يستثمر ما وفرته المذكرة من فرص لتخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية. إلا أن إعلان مجتبى خامنئي اعتراضه على الاتفاق من حيث المبدأ يعكس خشية أعمق من تداعيات أي تراجع.
ولا يقتصر هاجس النظام على ما قد يخسره خارجياً، بل يتمثل أساساً فيما قد يحدث داخل إيران. فأي تنازل أمام الولايات المتحدة من شأنه أن يضعف صورة القوة التي يسعى النظام إلى ترسيخها، ويقلل من قدرة الحرس على تبرير حالة الطوارئ والقمع، ويفتح المجال أمام عودة الاحتجاجات الشعبية إلى الشوارع.
ولهذا يعيش مجتبى خامنئي والحرس حالة قلق متزايدة في ظل تفاقم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية. فالفقر، والبطالة، وغلاء الأسعار، والانهيار الاقتصادي، كلها عوامل عمّقت حالة الغضب الشعبي، بينما بقيت الأسباب التي فجرت الانتفاضات السابقة قائمة، بل ازدادت حدة واتساعاً.
وفي الوقت نفسه، تواصل وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية توسيع نشاطها داخل البلاد، وهو ما تؤكده أيضاً تصريحات المؤسسات الأمنية والعسكرية التابعة للنظام. لذلك تستمر حملات الاعتقال والإعدام، ولا سيما بحق الشباب الذين شاركوا في الانتفاضات أو تتهمهم السلطات بالارتباط بالمقاومة المنظمة.
ويعي النظام أن الخطر الحقيقي الذي يهدد بقاءه لا يقتصر على الضغوط الخارجية. فالعقوبات، والغارات، والضربات العسكرية قد تلحق به خسائر كبيرة، لكنها لا تضاهي، في نظره، خطر اندلاع انتفاضة شعبية منظمة تمتلك برنامجاً سياسياً واضحاً وتسعى إلى تغيير النظام.
ومن هنا تتجلى المفارقة الأساسية؛ فالحرب، رغم ما تحمله من مخاطر، توفر للنظام ذريعة لتعزيز القبضة الأمنية وتبرير القمع، في حين أن السلام الحقيقي، بما يفرضه من تراجع عن سياسات التوسع والصراع، قد يسلبه أهم أدوات السيطرة على الداخل.
وقد واجه خميني وضعاً مشابهاً عند انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، عندما وافق على وقف إطلاق النار واصفاً ذلك بـ«تجرع كأس السم». ورغم أن النظام آنذاك كان أكثر تماسكاً، ويتمتع بقاعدة اجتماعية أوسع وأجهزة أكثر استقراراً، فإنه لجأ للحفاظ على توازنه إلى مجزرة عام 1988، التي أعدم خلالها آلاف السجناء السياسيين، وكان معظمهم من أعضاء وأنصار منظمة مجاهدي خلق الإيرانية.
أما اليوم، فإن نظام مجتبى خامنئي يواجه ظروفاً أكثر تعقيداً. فقاعدته الاجتماعية أصبحت أضيق، وأزمته الاقتصادية أشد، والصراعات الداخلية أكثر حدة، بينما بات المجتمع الإيراني أكثر استعداداً للاحتجاج. ولذلك فإن ثمن «كأس السم» الجديدة قد يكون أكبر بكثير من قدرة النظام على احتماله.
وتقود هذه المعطيات إلى ثلاث حقائق رئيسية. أولها أن نظام ولاية الفقيه سيظل، ما دام قائماً، مصدراً دائماً للتوتر وعدم الاستقرار، لأن الحرب والتدخل الإقليمي يمثلان جزءاً أساسياً من استراتيجية بقائه، وليس مجرد خيارات سياسية قابلة للتغيير.
أما الحقيقة الثانية، فهي أن النظام لم يعد يمتلك هامش المناورة الذي يسمح له بالانتقال إلى سياسة التهدئة أو تقديم تنازلات استراتيجية، إذ إن هشاشته الداخلية تجعله أكثر خوفاً من نتائج التراجع، لا أكثر استعداداً له.
وتتمثل الحقيقة الثالثة في أن معالجة الأزمة الإيرانية لا يمكن أن تتحقق عبر حرب خارجية تزيد معاناة الشعب، ولا من خلال سياسة الاسترضاء التي تمنح النظام مزيداً من الوقت، وإنما عبر التغيير الذي يصنعه الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة.
ولهذا تبدو المرحلة الحالية بالغة الحساسية. فلا يكاد يمر يوم من دون أن يحذر مسؤول في النظام من احتمال اندلاع انتفاضة جديدة، في الوقت الذي تؤكد فيه الأجهزة الأمنية استمرار نشاط وحدات المقاومة واتساع شبكاتها رغم حملات القمع والإعدامات.
وفي النهاية، يبقى الواقع الذي يحاول النظام إخفاءه واضحاً: فالمعركة الأخطر التي يواجهها ليست مع الولايات المتحدة أو دول المنطقة، بل مع شعب يزداد غضباً يوماً بعد آخر، ومع مقاومة منظمة تعمل على تحويل هذا الغضب إلى قوة سياسية قادرة على إحداث التغيير.

