البروفيسور كلاوديو غروسمان: لا حصانة قانونية لمرتكبي الجرائم ضد الإنسانية والمسؤولية الجنائية تطال مسؤولي النظام الإيراني
أكد البروفيسور كلاوديو غروسمان، الخبير الدولي في القانون الجنائي والمقرر الخاص للجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة المعني بمسألة حصانة مسؤولي الدول من الاختصاص الجنائي الأجنبي، أن الانتهاكات الجسيمة المرتكبة بحق الشعب الإيراني تندرج ضمن الجرائم التي يجرمها القانون الدولي، مشدداً على أن مرتكبي جرائم التعذيب والإخفاء القسري والجرائم ضد الإنسانية لا يمكنهم التذرع بالحصانة للإفلات من المحاسبة.
جاءت تصريحات غروسمان خلال مؤتمر دولي عقد عبر الاتصال المرئي تحت عنوان «مجزرة عام 1988 واستمرار الإعدامات.. جريمة مستمرة ضد الإنسانية في إيران: الإعدامات السياسية ومسؤولية التحرك الدولي»، بمشاركة عدد من المقررين الأمميين الحاليين والسابقين، وقضاة ومدعين عامين في المحاكم الدولية، إضافة إلى خبراء بارزين في القانون الدولي وحقوق الإنسان.
وشهد المؤتمر مناقشات واسعة تناولت ملف الإعدامات السياسية في إيران وانعكاساتها القانونية والحقوقية، إلى جانب السبل المتاحة لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها البلاد خلال العقود الماضية. كما تم التوقف عند قضية مجزرة عام 1988 وما تلاها من انتهاكات مستمرة، باعتبارها من الملفات التي ما تزال تثير اهتمام الأوساط الحقوقية والقانونية الدولية.
العفو الدولية: مسؤولون في نظام الولي الفقيه ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية خلال قمع انتفاضة 2022
أصدرت منظمة العفو الدولية بالتزامن مع ذكرى انتفاضة عام 2022 تقريراً توثيقياً شاملاً في أكثر من ألف صفحة بعنوان «مهندسو القسوة: جهاز الدولة المنظم للجرائم ضد الإنسانية في إيران». وخلص التقرير الحقوقي، ثمرة سنوات من التوثيق والتحقيق، إلى أن كبار مسؤولي نظام الولي الفقيه وأجهزته الأمنية ارتكبوا بشكل منهجي وممنهج جرائم مروعة ضد الإنسانية خلال قمع الاحتجاجات الشعبية، مشدداً على ضرورة ملاحقة الجناة وقادة القمع دولياً وإنهاء سياسة الإفلات المتجذر من العقاب.

وفي مداخلته، أوضح غروسمان أن الجرائم المرتكبة ضد الإيرانيين لا يمكن النظر إليها باعتبارها أحداثاً داخلية معزولة، بل هي أفعال تقع ضمن نطاق الجرائم المنصوص عليها في القانون الجنائي الدولي. وأشار إلى أن الكثير من المبادئ الواردة في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أصبحت جزءاً من القانون الدولي العرفي، الأمر الذي يجعلها ملزمة حتى بالنسبة للدول غير المنضمة إلى النظام الأساسي.
وأضاف أن ما تعرض له المواطنون الإيرانيون من تعذيب وإخفاء قسري وانتهاكات منظمة للحقوق الأساسية يمثل نماذج واضحة للجرائم التي تستوجب المساءلة القانونية الدولية. وشدد على أن المسؤولية في مثل هذه القضايا لا تقع على عاتق المؤسسات بصورة مجردة، بل تمتد إلى الأفراد الذين أصدروا الأوامر أو شاركوا في تنفيذها أو سهلوا ارتكابها.
وأكد الخبير الدولي أن مبدأ الحصانة لا يمكن استخدامه كوسيلة لحماية مرتكبي الجرائم الخطيرة من العدالة، موضحاً أن القانون الدولي تطور خلال العقود الماضية باتجاه تضييق نطاق الإفلات من العقاب في الجرائم التي تمس الإنسانية جمعاء. واعتبر أن التعذيب والاختفاء القسري والجرائم ضد الإنسانية من الانتهاكات التي تستوجب ملاحقة المسؤولين عنها وفقاً للمعايير القانونية الدولية المعروفة.
الاتحاد الأوروبي يدين قمع المحتجين والإعدامات وسياسات الترهيب الممنهجة لنظام الولي الفقيه
أدان الاتحاد الأوروبي في بيان رسمي القمع المستمر والتصفيات الميدانية التي تمارسها سلطات نظام الولي الفقيه ضد الشعب الإيراني، مجدداً دعمه الثابت لتطلعات المواطنين إلى الحرية والديمقراطية. وأشاد البيان بالشجاعة الفائقة للنساء والرجال الإيرانيين في الدفاع عن حقوقهم الأساسية، معرباً عن القلق البالغ إزاء تصاعد وتيرة الإعدامات ومقتل آلاف المتظاهرين خلال احتجاجات يناير 2026، ومؤكداً أن مسار الإرهاب الداخلي لن يثني الشعب عن المضي نحو التغيير الشامل.

وتحدث غروسمان عن الأهمية المعنوية للتضامن الدولي مع ضحايا الانتهاكات، مستنداً إلى خبراته السابقة في مؤسسات حقوق الإنسان الدولية وزياراته لعدد من السجون ومراكز الاحتجاز في دول مختلفة. وأوضح أن الضحايا كثيراً ما كانوا يؤكدون أن مجرد معرفتهم بوجود اهتمام دولي بقضاياهم يمنحهم شعوراً بأن معاناتهم لم تُنسَ، ويشكل عاملاً مهماً في مواجهة سياسات القمع.
وفي الوقت نفسه، شدد على أن التضامن المعنوي لا يكفي وحده، بل ينبغي أن يقترن بخطوات عملية تدعم حقوق الشعوب في الحرية والديمقراطية وسيادة القانون. وأشار إلى أن المجتمع الدولي مطالب بالتفكير في آليات فعالة تساهم في ترسيخ العدالة ودعم تطلعات الشعوب إلى بناء أنظمة تحترم الحقوق الأساسية وتصون الكرامة الإنسانية.
كما أكد أن تحقيق الديمقراطية والاستقرار المستدام يتطلب تمكين المواطنين من المشاركة الحرة في إدارة شؤونهم العامة، وإقامة مؤسسات تستند إلى سيادة القانون والمساءلة واحترام حقوق الإنسان. واعتبر أن النضال من أجل هذه الأهداف يبقى مسؤولية الشعب في المقام الأول، غير أن الدعم الدولي للعدالة وحقوق الإنسان يظل عاملاً مهماً في تعزيز فرص النجاح.
واختتم غروسمان حديثه بالتأكيد على أن الجرائم الجسيمة لا تسقط بالتقادم الأخلاقي أو السياسي، وأن ترسيخ مبدأ المحاسبة يمثل أحد الأسس الضرورية لمنع تكرار الانتهاكات وحماية المجتمعات من دوامات العنف والإفلات من العقاب، مشدداً على أن العدالة تبقى عنصراً أساسياً في أي مسار يهدف إلى بناء مستقبل قائم على الحرية واحترام الحقوق الإنسانية.

