تقرير اقتصادي: صحيفة «ابتكار» تكشف اتساع رقعة الفقر في إيران وتراجع الأجور إلى مستويات غير مسبوقة
كشفت صحيفة «ابتكار» الحكومية في طهران عن مؤشرات اقتصادية مقلقة تعكس تفاقم أزمة الفقر وتدهور المعيشة في إيران، في ظل ارتفاع متواصل لتكاليف الحياة وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. ووفقاً للبيانات المنشورة، بلغت التكلفة الشهرية لسلة المعيشة الأساسية للأسرة نحو 900 مليون ريال، ما أدى إلى اتساع دائرة الفقر لتشمل شريحة واسعة من المجتمع الإيراني، وسط تحذيرات من تداعيات اجتماعية واقتصادية متزايدة.
وأظهرت التقديرات أن ارتفاع تكاليف المعيشة تجاوز بكثير مستويات الدخل المتاحة للأسر، الأمر الذي دفع أعداداً كبيرة من المواطنين إلى مواجهة صعوبات متزايدة في تأمين الاحتياجات الأساسية، بما في ذلك الغذاء والسكن والخدمات الصحية. وترى أوساط اقتصادية أن هذه المؤشرات تعكس تعمق الفجوة بين الأجور الفعلية ومتطلبات الحياة اليومية، في وقت تتواصل فيه موجات التضخم وارتفاع الأسعار.
غليانٌ عمالي واحتجاجاتٌ متصاعدة في إيران رفضاً لتجويع الكادحين واحتكار حرس النظام لثروات البلاد
دفع الانهيار المتسارع لقيمة العملة الوطنية الأجر الشهري الأساسي لطبقة العمال في إيران إلى نحو 80 دولاراً فقط، وسط ارتفاع تكاليف سلة المعيشة الدنيا إلى أكثر من 90 مليون تومان، ما يعني أن دخل العامل لا يغطي سوى نفقات ثمانية أيام من الشهر، في وقت تُجمَّد فيه الأجور وتُبدَّد ثروات البلاد على حرس النظام والمغامرات الإقليمية، ما ينذر باحتقان عمالي واجتماعي متصاعد.

وفي سياق متصل، كشفت الأرقام المتعلقة بسوق العمل عن تدهور واضح في القوة الشرائية للعمال والموظفين. فبحسب المعطيات المنشورة، تراجعت قدرة الأجور على تغطية تكاليف المعيشة بشكل حاد خلال الأشهر الأخيرة، بالتزامن مع ارتفاع الأجور الحقيقية أمام التضخم الجامح إلى مستويات غير مسبوقة. ويؤكد خبراء أن استمرار هذا الاتجاه يضع ملايين الأسر أمام تحديات معيشية متزايدة ويزيد من الضغوط الاجتماعية في مختلف المحافظات الإيرانية.
وتشير تقارير اقتصادية إلى أن تراجع مستويات الدخل الحقيقي ترافق مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية، ما أجبر العديد من العائلات على تقليص نفقاتها وتأجيل بعض المتطلبات الضرورية. كما انعكس هذا الوضع على قطاعات واسعة من الاقتصاد المحلي، حيث أدى ضعف القدرة الشرائية إلى تباطؤ النشاط التجاري وتراجع الاستهلاك الداخلي.
ويربط منتقدون للسياسات الاقتصادية القائمة بين تفاقم معدلات الفقر وبين طبيعة إدارة الموارد والثروات الوطنية، مؤكدين أن إيران تمتلك إمكانات اقتصادية كبيرة في مجالات النفط والغاز والصناعة، إلا أن هذه الإمكانات لم تنعكس بصورة ملموسة على مستوى معيشة المواطنين. ويشير هؤلاء إلى أن سوء الإدارة وغياب الشفافية والأزمات الاقتصادية المتراكمة ساهمت في تعميق المشكلات الاجتماعية وتوسيع دائرة الفقر.
مقارنةُ ميزانياتٍ تفضح تخصيص 700 مليون دولار لتمويل الميليشيات مقابل حرمان 12 مليون إيراني من أبسط الخدمات
تكشف الأوضاع المأساوية في المحافظات الإيرانية المهمشة، كسيستان وبلوشستان وبوشهر والمناطق البختيارية، عن حرمان شامل من أبسط البنى التحتية رغم وفرة الثروات الطبيعية، لدرجة اضطرار الأهالي لنقل المرضى عبر الأنهار بزوارق بدائية، في وقت تخصص فيه سلطات النظام مئات الملايين من الدولارات لتمويل أذرعه الإقليمية، مما يكرس غلياناً شعبياً متصاعداً ضد تبديد مقدرات الوطن.

كما حذرت تقارير محلية من التداعيات المجتمعية الناتجة عن استمرار تآكل القدرة الشرائية، بما في ذلك تزايد الضغوط على الأسر محدودة الدخل، وتراجع فرص الحصول على الخدمات الأساسية، وارتفاع معدلات الديون الشخصية. ويرى مراقبون أن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدي إلى مزيد من التحديات الاقتصادية والاجتماعية خلال الفترة المقبلة إذا لم تُتخذ إجراءات فعالة لمعالجة أسباب الأزمة.
وتعيد هذه المؤشرات الاقتصادية تسليط الضوء على الجدل الدائر حول مستقبل السياسات الاقتصادية في البلاد، خاصة في ظل الأرقام التي تتحدث عن اتساع رقعة خط الفقر وتراجع مستويات المعيشة. وفي هذا السياق، تبرز مطالبات بإجراء إصلاحات اقتصادية وسياسية شاملة وتحقيق مزيد من الشفافية والمساءلة في إدارة الموارد العامة، بما يضمن تحسين الظروف المعيشية للمواطنين وتوجيه الإمكانات الوطنية نحو التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، وفق رؤى تدعو إلى إقامة جمهورية ديمقراطية قائمة على سيادة القانون واحترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين.

