تمديدٌ لولاية محسني إيجئي: رسالةُ استمراريةٍ أمنية تقود قضاء الولي الفقيه نحو تعميق القمع
لا يمثل قرار تمديد تعيين غلام حسين محسني إيجئي رئيساً للسلطة القضائية في إيران مجرد خطوة إدارية اعتيادية داخل أروقة الدولة؛ بل هو إعلان سياسي بامتياز يكشف عن ملامح العهد الجديد تحت قيادة مجتبى خامنئي. ويؤكد هذا الإجراء بشكل قاطع أن القضاء لن يكون ساحة لتحقيق العدالة أو صون الحقوق، بل سيستمر كأداة أمنية حاسمة لحماية السلطة؛ إذ عكس خيار التمديد لإيجئي لخمس سنوات إضافية تفضيل النظام للاستمرارية البوليسية على حساب أي أفق للإصلاح، مكرساً التلاحم العضوي بين المحاكم والأجهزة الاستخباراتية.
عقيدةٌ أمنية بعباءة قضائية
تختزل السيرة المهنية لـ محسني إيجئي آلية الدمج الممنهج بين العمل الاستخباراتي، والسيطرة السياسية، والبطش القضائي داخل ركائز النظام؛ فمنذ السنوات الأولى التي تلت عام 1979، تدرج إيجئي في مناصب بالغة الحساسية شملت الادعاء العام الثوري، ووزارة الاستخبارات، ومكتب المدعي العام، وصولاً إلى قيادة السلطة القضائية. ولم يرتبط اسمه طوال هذه العقود بالعدالة أو تطوير القوانين، بل كان عراباً للملاحقات السياسية الكيدية، وانتزاع الاعترافات القسرية تحت التعذيب، وخنق قوى المعارضة.
ولعب إيجئي دوراً محورياً في حسم بعض التوازنات الداخلية المعقدة للنظام؛ حيث ساهم خلال ثمانينيات القرن الماضي في التحقيق بملف “مهدي هاشمي”، وهي القضية الشهيرة التي جرى توظيفها لتصفية النفوذ السياسي لآية الله حسين علي منتظري، الذي كان مرشحاً لخلافة روح الله خميني. هذا التاريخ الطويل ثبّت إيجئي كشخصية أمنية مخضرمة تحظى بثقة مطلقة، وتتلخص وظيفتها الأساسية في صون المنظومة الحاكمة من أي اختراق.
ملاحقةٌ دولية وسجلٌ أسود في العُرف الحقوقي
أدى النهج القمعي لإيجئي إلى وضعه تحت طائلة الإدانات الدولية المستمرة؛ ففي أعقاب موجة القمع الشرسة التي واجه بها النظام الاحتجاجات الشعبية عام 2009، أدرجت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اسمه ضمن قوائم العقوبات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان. وجاء ذلك استناداً إلى مسؤوليته المباشرة عن المحاكمات الجائرة، والاعتقالات التعسفية، وإصدار أحكام انتقامية ضد الناشطين السياسيين والمحتجين، مما جعل سيرته مرادفة لجهاز قضائي يسخر القانون بالكامل لخدمة الأيديولوجيا الحاكمة.
حقبةُ الأرقام القياسية في عقوبات الإعدام
عندما تسلم إيجئي رئاسة السلطة القضائية عام 2021، روّجت الماكينة الإعلامية للنظام لشعارات من قبيل “التحول القضائي”، و”مكافحة الفساد”، و”الدفاع عن الحقوق العامة”، لكن التجربة الميدانية كشفت عن واقع دموي مغاير؛ فبدلاً من صون استقلال القضاء، أصبحت المحاكم ذراعاً أكثر بطشاً وتبعية للأجهزة الأمنية تابعة لـ حرس النظام، لا سيما بعد اندلاع الانتفاضة الشعبية العارمة عام 2022. وواجه الصحفيون، والمحامون، وناشطو المجتمع المدني، والأقليات القومية والدينية أحكاماً قاسية بالملاحقة والسجن والإعدام.
وبذلك، تحول الارتفاع القياسي في تنفيذ أحكام الإعدام إلى السمة الأبرز لعهد إيجئي؛ حيث وثقت المنظمات الحقوقية طفرة غير مسبوقة في استخدام عقوبة الإعدام كوسيلة لإرهاب الشارع.
توثيقٌ حقوقي لسلاح الإعدام في إيران:
“أكدت منظمة العفو الدولية تنفيذ أكثر من 1000 حكم إعدام خلال عام 2025—وهو الرقم السنوي الأعلى الذي تسجله المنظمة منذ خمسة عشر عاماً على الأقل، وخلصت إلى أن النظام يعتمد عقوبة الإعدام كأداة ترهيب سياسي لفرملة مفاعيل الحراك الشعبي الذي أعقب انتفاضة ‘المرأة، الحياة، الحرية’. وفي ذات السياق، وثقت منظمات حقوقية أخرى ما لا يقل عن 1639 عملية إعدام خلال عام 2025، مؤكدة أن أكثر من 90% منها جرى بشكل سري ودون إعلان رسمي، بناءً على تهم سياسية فضفاضة مثل ‘المحاربة’ و’الإفساد في الأرض’.”
تثبت هذه المعطيات الصادمة أن المنظومة القضائية في عهد إيجئي لا تعمل كمؤسسة قانونية مستقلة، بل كآلية بوليسية لترهيب المجتمع وشل قدرته على الاحتجاج.
توظيفُ مناخ الحرب لتصفية الداخل
تضاعف التغول القضائي والأمني في أعقاب المواجهة العسكرية الأخيرة التي شهدتها المنطقة عام 2026 بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة؛ حيث كشفت التقارير الحقوقية عن استغلال النظام لأجواء الحرب وحالة الطوارئ لتكثيف الاعتقالات، وتسريع وتيرة المحاكمات السياسية، وإصدار أحكام الإعدام تحت شعار حماية الأمن القومي. وبدلاً من إبداء المرونة في فترات الأزمات الدولية الجسيمة، تحول القضاء إلى خط دفاع أول لتثبيت السيطرة الداخلية وقمع أي تحرك شعبي محتمل.
وقبيل صدور قرار التمديد، رأت بعض التحليلات أن الولي الفقيه الجديد (مجتبى خامنئي) قد يلجأ إلى استبدال إيجئي كخطوة لإثبات سلطته المطلقة ورسم ملامح عهده الخاص؛ إلا أن خياره بالتمسك به برهن على أن الحفاظ على استقرار المنظومة الأمنية وتماسكها يتقدم في هذه المرحلة الحرجة على أي رغبة في التغيير الهيكلي. ويقدم إيجئي للنظام عقوداً من الخبرة الأمنية، وشبكة علاقات وثيقة مع وزارة الاستخبارات وحرس النظام، وجاهزية تامة لتطويع المؤسسة القضائية لخدمة الأهداف السياسية، مما جعله العنصر الأنسب لتأمين التنسيق الكامل بين أجهزة القمع.
حمل قرار تمديد ولاية إيجئي رسائل ثلاثية الأبعاد وصريحة؛ أولاً: أن الإصلاح القضائي قد أُقصي تماماً عن حسابات السلطة. ثانياً: أن مجتبى خامنئي يسعى لتوطيد ركائز حكمه عبر الاعتماد على الحرس القديم للمؤسسة الأمنية بدلاً من تقديم وجوه جديدة. وثالثاً: أن القضاء سيواصل دوره كأداة رئيسية لتجريم الحراك المعارض وترهيب الداخل عبر العقوبات القصوى.
وبالنسبة للصحفيين، والمحامين، والناشطين، وعائلات الضحايا، والمجتمع الثائر، فإن الرسالة واضحة لا لبس فيها: لقد جدد نظام الولي الفقيه ثقته بأحد أكثر الرموز ارتباطاً بالمحاكمات الكيدية والقمع التاريخي، لتظل المنظومة القضائية تحت قيادة محسني إيجئي ركيزة أساسية لبقاء النظام واستمراره، بدلاً من أن تكون ملجأً لحماية حقوق المواطنين وصون حرياتهم.


