ما بعد الحرب والاسترضاء: الحلُّ الإيراني يكمن في الداخل لا الخارج
تظل إيران، بلا أدنى شك، التحدي الجيوسياسي والسياسي الأكثر إلحاحاً في العالم اليوم. والسؤال المركزي الذي يفرض نفسه: ما هو الحل؟ لسنوات طويلة، فشلت المفاوضات ومحاولات إقناع النظام بتعديل سلوكه، ومؤخراً، عجزت الحملات العسكرية الخارجية عن إفراز نتيجة مستدامة. ومع ذلك، لم ينل تحليل الأسباب الحقيقية لهذا الفشل المزدوج ما يستحقه من اهتمام.
إن كلا النهجين—الاسترضاء والتدخل العسكري الخارجي—قد فشلا ليس لقوة النظام، بل لتأسيسهما على فهم خاطئ لطبيعة الاستبداد الديني الحاكم؛ فامتناع النظام عن تقديم تنازلات ليس دليلاً على ثقته، بل هو تعبير عن هشاشته الهيكلية. تدرك القيادة أن تقديم أي تنازل جوهري سيهدد أسس بقائها؛ ولذا، فإن التغيير الحقيقي يتوقف بالكامل على الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة.
البنية الثلاثية لبقاء النظام: “الانتحار خوفاً من الموت”
يطرح بعض المحللين فرضية واهية تدعي أن بقاء النظام رغم الضربات العسكرية القاسية يثبت قوته واستقراره. لكن الحقيقة أن عجز القوى الخارجية عن إسقاط المنظومة يعود إلى قصور الاستراتيجية المتبعة لا إلى متانة النظام. فالقوة الجوية، مهما كانت ساحقة، لا تكفي لتفكيك نظام سلطوي متجذر، فضلاً عن غياب الشروط السياسية لتدخل بري واسع النطاق في بلد بحجم إيران وتعقيداتها الجغرافية والاجتماعية.
إن امتناع نظام الملالي عن التراجع لا يعود لصلابة عقائدية بقدر ما يعود لحسابات البقاء؛ إذ يرتكز حكمه على ثلاث ركائز مترابطة:
- القمع الداخلي المطلق.
- التدخل الإقليمي وتصدير الأزمات.
- الردع الاستراتيجي والبرامج التسليحية.
ويمثل التراجع في أي من هذه الجبهات محفزاً للتفتت الداخلي والانهيار الحتمي؛ وهو ما لخصته الأدبيات السياسية في طهران بعبارة: “الانتحار خوفاً من الموت”.
أزمة “مسودة التفاهم” والشلل الهيكلي
يندرج سلوك النظام تجاه مسودة التفاهم (MOU) ضمن هذا المنظور الحمائي؛ فرغم التسهيلات الممنوحة لطهران، يتساءل كثيرون: لماذا تماطل القيادة في تحويل المسودة إلى اتفاق نهائي؟
السبب هو أن تحويل المسودة إلى التزام قانوني سيفتح “صندوق باندورا” من التنازلات، خاصة في الملف النووي والوكلاء الإقليميين، مما يقوض ركائز البقاء. وقد انعكس هذا المأزق في معركة حامية الوطيس داخل رأس السلطة؛ حيث أصدر 63 عضواً من مجلس خبراء القيادة بياناً مشتركاً يعتبر الملف النووي والسيطرة على مضيق هرمز خطوطاً حمراء غير قابلة للتفاوض، وهو ما حظي بدعم علني من 96 عضواً في البرلمان، كاشفاً عن تمرد داخلي يعارض أي تسوية سياسية.
معضلة الولي الفقيه الجديد: مجتبى خامنئي في مهب الريح
ورث الولي الفقيه الجديد، مجتبى خامنئي، تركة مثقلة بالأزمات العميقة التي عجز والده عن حلها، لكنه يواجه هذه التحديات بهامش مناورة ضيق وسلطة متآكلة؛ إذ يفتقر إلى الهيبة الروحية والسياسية التي تمتع بها سلفه. وتضاعف غيابه المستمر عن المشهد العام جراء حالته الصحية ومخاوف الاغتيال من وهن شرعيته.
انقسام قمة السلطة:
“عقب توقيع التفاهم بـ 24 ساعة فقط، صرّح الولي الفقيه الجديد علناً: ‘في الأصل، كان لدي رأي مختلف؛ ومع ذلك، وبناءً على التعهد الذي قدمه لي رئيس الجمهورية المحترم، بصفته رئيساً للمجلس الأعلى للأمن القومي، نيابة عن نفسه وعن الأعضاء الآخرين، بشأن حماية حقوق الشعب الإيراني وجبهة المقاومة، وقبوله صراحة المسؤولية عن ذلك، فقد أصدرت إذناً به’. وتكشف هذه الصياغة حقيقتين: الأولى، أن أي قرار مصيري يحتاج لإمضائه، والثانية أنه يفتقر إلى القوة السياسية لفرض إرادته على الفصائل المتناحرة دون تقديم مساومات، مما أطلق العنان لحرب ذئاب وصراع أجنحة مستعر داخل أجهزة القمع والبرلمان.”
وتترافق هذه الأزمة المؤسسية مع تدهور اقتصادي غير مسبوق؛ شمل انهيار العملة، والبطالة المتفشية، والتضخم الجامح، وعجز الموازنات الناجم عن تبديد الثروات على الصواريخ والوكلاء، فضلاً عن انقطاع المياه والكهرباء والوقود، مما جعل الصدام مع الشارع قدراً حتمياً.
البديل الديمقراطي: السيادة الشعبية ووحدات المقاومة
إذا كان مأزق النظام داخلياً، فإن الحل حتماً يكمن في الداخل الإيراني؛ وتثبت التجارب التاريخية أن الاحتجاجات العفوية لا تصنع تحولاً ديمقراطياً مستداماً دون قيادة منظمة قادرة على الصمود ومواجهة القمع وطرح البديل الوطني؛ وهذا ما يتوفر اليوم من خلال:
- وحدات المقاومة: التابعة لمنظمة مجاهدي خلق (PMOI/MEK)، والتي تمكنت من توسيع شبكاتها ودمج جيل جديد من الشباب الثائر، منفذة آلاف العمليات الجريئة ضد مقار الحرس والباسيج والاستخبارات، وتحدي قبضة الدولة البوليسية حتى في أحلك ظروف الاستنفار الأمني وجنازة الولي الفقيه الراحل.
- المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية (NCRI): كبديل سياسي واعد يملك برنامجاً ديمقراطياً متكاملاً وخبرة مؤسسية ودعماً دولياً واسعاً. وتطرح رئيسة المجلس المنتخب، السيدة مريم رجوي، خطة النقاط العشر لمستقبل إيران، والتي تدعو لإقامة جمهورية علمانية تعددية وخالية من السلاح النووي، تضمن الفصل بين الدين والدولة، والمساواة الكاملة بين الجنسين، وإجراء انتخابات حرة في غضون ستة أشهر من إسقاط الاستبداد الديني.
خاتمة: نحو صياغة استراتيجية دولية جديدة
يتطلب الواقع الراهن إعادة نظر شاملة وجذرية في الأسس التي تبنى عليها السياسات الدولية تجاه إيران؛ فلم يعد مجدياً المراهنة على خياري الاسترضاء الدبلوماسي أو الحرب الخارجية العشوائية. إن استمرارية بقاء المنظومة ورفضها المساومة هما أمارة ضعف وتآكل بنيوي، وليسا دليل قوة.
وتتضافر اليوم شروط التغيير من أزمة هيكلية خانقة، وغليان شعبي مستمر، وتصدع لافت في رأس السلطة تحت قيادة الولي الفقيه الجديد الضعيف، ووجود بديل وطني منظم؛ وعليه، يجب على المجتمع الدولي التوقف عن تقديم حبال الإنقاذ لنظام مأزوم، ومواءمة سياساته مع الإرادة الحرة للشعب الإيراني وحقه المشروع في إسقاط الديكتاتورية وإقامة الجمهورية الحرة.


