انفجار الخلافات بعد مسرحية التشييع.. انهيار مسودة التفاهم يدفع نظام الولي الفقيه نحو خيارات انتحارية
عادت الانقسامات الداخلية إلى الواجهة داخل النظام الإيراني فور انتهاء مراسم تشييع علي خامنئي، بل وحتى خلال إقامتها، حيث تجددت الصراعات بين أجنحة السلطة حول مصير مسودة التفاهم وآلية التعامل مع التطورات السياسية الجديدة. وتتمحور المواجهة الحالية حول مستقبل المسار الدبلوماسي، في ظل تصاعد الضغوط الداخلية المطالبة بإنهائه بصورة نهائية.
ويقود تيار نافذ داخل النظام حملة واسعة ضد الحكومة ورئاسة البرلمان، مستنداً إلى المواقف الأخيرة للولايات المتحدة، ومطالباً بإغلاق باب المفاوضات بالكامل. وفي هذا السياق، هاجم الملا حميد رسائي، نائب رئيس اللجنة الثقافية في برلمان النظام، رئيسي السلطتين التنفيذية والتشريعية، وكتب عبر قناته على «تلغرام» في 7 يوليو/تموز 2026: «يا سيد قاليباف! أنت الذي كنت تفتخر بمسودة التفاهم هذه، ماذا تفعل الآن؟ لماذا لا تزال مصراً على إبقاء هذا التوقيع النحس قائماً؟».
جنازة خامنئي في النجف وكربلاء… رسالة سياسية تسيء إلى سيادة العراق
يعتزم النظام الإيراني نقل جثة الولي الفقيه السابق علي خامنئي إلى العراق لإقامة مراسم في النجف وكربلاء، وسط انتقادات واسعة اعتبرت الخطوة استغلالاً سياسياً وإهانة للشعبين الإيراني والعراقي تسيء لسيادة العراق. وبدلاً من حشد الأنصار وتوحيد الصفوف، تحولت مراسم التشييع في الداخل إلى ساحة لتفجر الصراعات بين أجنحة السلطة المتناحرة، حيث شهدت توجيه هتافات لاذعة ضد مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي.
العراق وإيران | تشييع خامنئي | صراع الأجنحة | يوليو 2026

كما شن القيادي السابق في حرس النظام سعيد قاسمي هجوماً حاداً على المسار الدبلوماسي، معلناً أن «مسودة التفاهم المزعومة كانت منذ اليوم الأول مجرد قصاصة ورق عديمة القيمة ومكانها النفايات، وكل من علق آماله على توقيعها مصاب ببلاهة لا تنتهي. انفخوا في أبواق الحرب بكل ما أوتيتم من قوة، لتتميز صفوف الرجال عن أشباههم في هذه المعركة النهائية» (موقع فرارو، 7 يوليو/تموز 2026).
وبالتوازي مع هذه المواقف، بدأت وسائل الإعلام المقربة من الأجهزة الأمنية والعسكرية في تبرير الانتقال من المسار السياسي إلى التصعيد الميداني. وكتبت وكالة «تسنيم» التابعة لحرس النظام في 7 يوليو/تموز 2026 أن «مسودة التفاهم ولدت ميتة منذ البداية بسبب نكث الأمريكيين لعهودهم، وما حدث ليلة أمس لم يكن سوى الإعلان الرسمي عن وفاتها».
وفي الاتجاه ذاته، دعت صحيفة «كيهان»، المعروفة بقربها من مكتب الولي الفقيه، إلى إنهاء المسار السياسي بالكامل، وكتبت في عددها الصادر بتاريخ 8 يوليو/تموز 2026 أن «على الجهاز الدبلوماسي أن يعلن رسمياً نهاية مسودة التفاهم، ليترك للميدان مهمة حسم الحساب مع ترامب مرة واحدة وإلى الأبد».
وفي ظل تصاعد الأزمة، انعكس التوتر الداخلي في صورة تهديدات علنية حملت طابعاً تصعيدياً. فقد صرح أحد مقدمي البرامج في القناة الثالثة للتلفزيون الحكومي، في إشارة إلى زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى دولة مجاورة، قائلاً: «ها هو ترامب الآن على مقربة من حدودنا، وفي مرمى نيراننا، إنه في تركيا؛ ونحن لن نكف عن المقاومة والصمود ما لم نرق دماء أمثال ترامب على الأرض» (قناة «تشند ثانية» على تلغرام، 7 يوليو/تموز 2026).
النظام الإيراني بين الحرب والسلام… مأزق وجودي لا مخرج منه
أعاد الهجوم الأخير للنظام الإيراني على السفن في مضيق هرمز، بعد إعلان وقف إطلاق النار، طرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرته على السير نحو سلام مستدام. ويؤكد التحليل أن ملف التفاوض مع واشنطن لم يعد مجرد مسألة خارجية، بل تحول إلى أعنف ساحة صراع داخل هرم السلطة؛ إذ يمس أي تراجع بالأسس الأيديولوجية لنظام الولي الفقيه، لتصبح القضية صراعاً مصيرياً يرتبط مباشرة بجوهر النظام ومستقبل بقائه.
مضيق هرمز | صراع الأجنحة | العلاقات الإيرانية الأمريكية | يوليو 2026

وامتدت هذه التهديدات لتشمل دول المنطقة، حيث هدد المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في برلمان النظام، إبراهيم رضائي، عبر منصة «إكس»، الدول الخليجية التي تؤيد السياسات الأمريكية، قائلاً: «على دول الخليج التي تقف إلى جانب ترامب في المواجهة بين إيران والإدارة الأمريكية أن تخشى على آبار نفطها وغازها. لا خطوط حمراء لدينا عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن أمن أمتنا العظيمة» (وكالة فارس، 7 يوليو/تموز 2026).
وفي خضم هذا التصعيد، عاد الملف النووي ليطرح باعتباره إحدى أوراق الضغط الأساسية. فقد أعلن حسين شريعتمداري، ممثل الولي الفقيه في صحيفة «كيهان»، في 8 يوليو/تموز 2026، أن «الجمهورية الإسلامية تمتلك المعرفة والقدرة الفنية اللازمة لصنع سلاح نووي، وإن المسافة التي تفصل إيران عن إنتاجه ليست تكنولوجية، بل هي مسألة قرار وإرادة سياسية فقط».
وسارع عدد من أعضاء البرلمان إلى تبني الموقف ذاته، حيث أكد إبراهيم رضائي أن أي هجوم أمريكي جديد سيؤدي إلى «تغيير فوري في العقيدة النووية»، مضيفاً أن «خيارات مثل الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (NPT)، وتغيير العقيدة النووية، وإغلاق مضيق باب المندب إلى جانب مضيق هرمز، أصبحت مطروحة على الطاولة وقابلة للتنفيذ» (منصة «إكس»، وكالة فارس، 7 يوليو/تموز 2026). وتعكس هذه التطورات حجم الانقسام الذي يضرب قمة هرم السلطة في إيران بعد تعثر مسودة التفاهم، في وقت تتزايد فيه الدعوات داخل النظام إلى التصعيد العسكري والتلويح بإغلاق الممرات البحرية الدولية، إلى جانب التهديد بالاغتيالات والتصعيد النووي، وسط أزمة داخلية وخارجية متفاقمة تضع النظام أمام تحديات غير مسبوقة

