الحروب الخارجية.. كيف يوظفها نظام الولي الفقيه للهروب من أزماته الداخلية؟
يكشف المسار السياسي لنظام الولي الفقيه في إيران أن افتعال الأزمات الخارجية لم يكن يوماً خياراً ظرفياً، بل شكّل ركناً ثابتاً في استراتيجية بقائه. فمنذ الأيام الأولى بعد ثورة عام 1979، استخدمت السلطة الحروب والتوترات الإقليمية لتبرير القمع الداخلي، وإقصاء الخصوم السياسيين، وتعطيل المطالب الديمقراطية. واليوم، وبعد التداعيات التي خلفتها انتفاضة يناير 2026، يعود النظام إلى النهج ذاته، مستثمراً أجواء التصعيد الخارجي لتبرير موجة الإعدامات المتصاعدة والتملص من أزماته الداخلية المتفاقمة.
أوهام البقاء: انقسامات وتصدعات غير مسبوقة تضرب بنية النظام الإيراني ما بعد الحرب
يتناول هذا التقرير ملامح الانقسامات التي برزت داخل بنية النظام الإيراني في مرحلة ما بعد الحرب. ويرى أن الخلافات لم تعد تقتصر على التنافس التقليدي بين الأجنحة، بل تحولت إلى صراع مصيري حول مستقبل النظام وآليات استمراره في ظل أزمات اقتصادية متفاقمة وضغوط متزايدة.
بدأ هذا المسار عقب سقوط نظام الشاه، عندما تطلع الإيرانيون إلى بناء دولة تقوم على الحرية والتعددية السياسية وسيادة القانون. غير أن خميني اتجه سريعاً إلى احتكار السلطة وإقامة نظام يرتكز على ولاية الفقيه، معتبراً أن تثبيت أركان الحكم يسبق الاستجابة لمطالب الثورة. وفي ظل هذا التوجه، جاء شعار «تصدير الثورة» ليؤدي إلى تصعيد التوتر مع دول الجوار، قبل أن تتحول الحرب التي اندلعت في سبتمبر/أيلول 1980 إلى فرصة وصفها خميني بأنها «نعمة»، إذ وفرت للنظام غطاءً لإحكام قبضته الأمنية، ومصادرة مكتسبات الثورة، وإقصاء القوى السياسية المعارضة، وترسيخ سلطة الولي الفقيه.
الحرب أداة لترسيخ السلطة
ويعتمد النظام الإيراني، وفق هذا النهج، على توظيف الحروب والأزمات الخارجية لتحقيق مجموعة من الأهداف التي تضمن استمرار بقائه، أبرزها استغلال المشاعر الوطنية وربط الدفاع عن البلاد ببقاء النظام، والتغطية على الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وإخماد الاحتجاجات الشعبية، وتأجيل أي استحقاقات إصلاحية أو مطالب بالمحاسبة.
كما يستخدم التصعيد الخارجي لتشويه صورة المعارضة الوطنية، واتهام خصومه بالخيانة أو العمل لصالح جهات أجنبية، بما يوفر مبرراً لتوسيع حملات الاعتقال والإعدام. وفي الوقت نفسه، يسعى إلى خلط مصالح السلطة بمفهوم المصلحة الوطنية، وإثارة الخلافات داخل صفوف القوى المعارضة، إلى جانب إطلاق يد الأجهزة الأمنية، وفي مقدمتها حرس النظام الإيراني، لممارسة مزيد من القمع تحت ذريعة الظروف الاستثنائية.
انفجار الخلافات بعد مسرحية التشييع.. انهيار مسودة التفاهم يدفع النظام نحو خيارات انتحارية
عادت الانقسامات الداخلية إلى الواجهة داخل النظام الإيراني فور انتهاء مراسم تشييع علي خامنئي، حيث تجددت الصراعات بين أجنحة السلطة حول مصير مسودة التفاهم ومستقبل المسار الدبلوماسي في ظل تصاعد الضغوط الداخلية.
انتفاضة يناير 2026 وتغذية التصعيد
ويشير المقال إلى أن النظام يعيش اليوم واحدة من أكثر مراحله حساسية بعد انتفاضة يناير 2026، في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية واتساع المخاوف داخل أجنحة السلطة من انفجار شعبي جديد.
وفي هذا السياق، يرى أن السلطة تحاول تكريس أجواء التوتر والحرب الخارجية كوسيلة للهروب من استحقاقات الداخل، وتحويل الأنظار بعيداً عن الأزمات المتراكمة، وفي مقدمتها موجات الإعدامات اليومية، وتراجع الأوضاع المعيشية، وتزايد الغضب الشعبي.
ويؤكد المقال أن اللجوء إلى التصعيد الخارجي لا يعكس قوة النظام، بل يمثل محاولة لتأجيل مواجهة أزماته الداخلية، وكسب الوقت عبر فرض حالة أمنية تتيح تشديد القبضة على المجتمع وإضعاف قدرة المواطنين على الاحتجاج.
السلام والحرية طريق التغيير ويخلص المقال إلى أن توظيف الحرب الخارجية يهدف أساساً إلى تجميد الإرادة الوطنية للشعب الإيراني ومنع تبلور حركة تغيير واسعة. ويرى أن مواجهة هذه السياسة تتطلب ترسيخ الوعي الوطني، وتعزيز التلاحم الشعبي، والتمسك بشعاري السلام والحرية، باعتبارهما السبيل لإفشال رهانات السلطة على الأزمات الخارجية، وفتح الطريق أمام إنهاء الدكتاتورية وإقامة جمهورية ديمقراطية تستند إلى إرادة الشعب الإيراني

