من بزشكيان إلى قاليباف… قادة النظام يعترفون بخطر الانفجار الشعبي
تكشف تصريحات كبار مسؤولي النظام الإيراني عن تصاعد المخاوف من انفجار الغضب الشعبي، في ظل تفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية وتآكل القدرة الشرائية واتساع دائرة الفقر، وسط عجز السلطة عن معالجة جذور الأزمة والاكتفاء بالقمع والعسكرة.
في الوقت الذي تهز فيه الأزمات الاقتصادية والمعيشية أركان النظام الإيراني، لم تعد التحذيرات من انفجار الشارع تصدر عن معارضي النظام وحدهم، بل باتت تأتي من أعلى مستويات السلطة نفسها. فالاعترافات الأخيرة لمسؤولي النظام تكشف عن حقيقة يصعب إخفاؤها، وهي أن المجتمع الإيراني يعيش حالة احتقان خطيرة، وأن أي صدمة معيشية جديدة يمكن أن تتحول إلى شرارة لانتفاضة واسعة.
ظهر هذا الخوف بوضوح في تصريحات مسعود بزشكيان، الذي أقر في مؤتمره الصحفي يوم الجمعة 28 أغسطس بأن المواطنين أصبحوا «على الحافة»، محذراً من أن فرض ضغوط إضافية عليهم قد يدفعهم إلى السقوط منها.
وهذه العبارة تتجاوز مجرد الوصف الاقتصادي، فعندما يعترف رئيس السلطة التنفيذية بأن المجتمع لم يعد يحتمل مزيداً من الضغوط، فإن ذلك يعني أن الأزمة باتت تمس قدرة النظام نفسه على احتواء الغضب الشعبي.
ولم يكن بزشكيان وحده في التعبير عن هذه المخاوف. فرئيس مجلس شورى النظام محمد باقر قاليباف ربط، بمناسبة أسبوع الحكومة، بين الحفاظ على «كيان الثورة الإسلامية» وبين معيشة المواطنين وقدرتهم الشرائية وتشغيل الشباب والأمن الاقتصادي. وكان قد أقر سابقاً بأن امتلاك القوة العسكرية لا يكفي لضمان بقاء النظام إذا كان الناس جائعين.
وهنا تتجلى المعضلة بوضوح، فقد أنفق النظام موارد البلاد على الأجهزة العسكرية والأمنية، والمشاريع الصاروخية والنووية، والتدخلات الخارجية والقمع الداخلي، بينما تآكلت القدرة الشرائية للمواطنين واتسعت دائرة الفقر.
فالترسانة العسكرية لا تستطيع إخفاء حقيقة أن ملايين العمال والمتقاعدين والمعلمين وأصحاب الدخل المحدود يواجهون أزمة معيشية متفاقمة.
وأمام هذا الوضع، يلجأ النظام مجدداً إلى أداته التقليدية، أي المزيد من القمع والإعدامات والملاحقات الأمنية. لكن هذه الأدوات، مهما بلغت شدتها، لا تستطيع معالجة الأسباب التي تنتج الغضب الاجتماعي.
فالإعدام لا يخفض الأسعار، والاعتقال لا يزيد أجور العمال، والأجهزة الأمنية لا تستطيع إعادة القدرة الشرائية للمتقاعدين، كما أن الحروب والتهديدات الخارجية لا توفر فرص العمل للشباب.
ولهذا فإن تصعيد القمع يعكس مأزق السلطة أكثر مما يعكس قوتها.
وفي الوقت نفسه، يواجه النظام مأزقاً في سياسته الخارجية. فقد استخدم طوال عقود التدخلات الإقليمية وإثارة الأزمات كجزء من استراتيجية بقائه، لكن هذه السياسة استنزفت موارد هائلة وساهمت في تعميق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
وهكذا أصبح عالقاً في دائرة مغلقة: استمرار العسكرة والحروب يعني المزيد من الاستنزاف والفقر والغضب الشعبي، بينما التراجع عنها يعني التخلي عن إحدى الركائز التي اعتمد عليها للحفاظ على سلطته ونفوذه.
لكن الأزمة المعيشية وحدها لا تفسر حجم القلق داخل السلطة. فهناك عامل آخر يزيد مخاوف النظام، وهو وجود مقاومة منظمة وشبكات وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية داخل المدن.
لقد أظهرت الانتفاضات السابقة أن احتجاجات تبدأ بمطالب اقتصادية يمكن أن تتحول بسرعة إلى شعارات سياسية تستهدف نظام ولاية الفقيه برمته. وفي مجتمع يعيش هذا الحجم من الاحتقان، يصبح وجود قوة منظمة قادرة على العمل والاستمرار تحت القمع عاملاً بالغ الأهمية.
ولهذا فإن الملاحقات المستمرة ضد منظمة مجاهدي خلق وأنصارها ووحدات المقاومة تكشف عن خشية النظام من التقاء عنصرين شديدي الخطورة عليه: غضب اجتماعي واسع ومقاومة منظمة تسعى إلى توجيهه نحو تغيير سياسي جذري.
إن اعترافات بزشكيان وقاليباف تكشف أن السلطة تدرك مدى هشاشة الوضع. فهي لا تستطيع معالجة الفقر دون تغيير أولوياتها الاقتصادية والسياسية، ولا تستطيع بسهولة التخلي عن القمع والعسكرة والتدخلات الخارجية التي تعتبرها أدوات ضرورية لبقائها.
وعندما يقول بزشكيان إن الشعب أصبح «على الحافة»، فإن المشكلة الحقيقية بالنسبة إلى النظام ليست احتمال سقوط المواطنين من هذه الحافة، بل احتمال أن يتحول غضبهم إلى قوة سياسية تهز أركان السلطة.
فالمجتمع الذي يعاني الفقر والغلاء وفقدان الأمل يصبح أكثر قابلية للاحتجاج، والنظام الذي لا يملك سوى القمع والحرب يضيّق بنفسه طرق الهروب. وفي هذه المعادلة، يبقى التقاء الانتفاضة الشعبية بالمقاومة المنظمة ووحدات المقاومة السيناريو الذي يخشاه نظام ولاية الفقيه أكثر من أي شيء آخر.

