مريم رجوي في مؤسسة إيناودي الإيطالية: نظام الملالي لن يصمد أمام الانتفاضة والمقاومة المنظمة
أكدت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، في كلمة ألقتها خلال مؤتمر في مؤسسة إيناودي الإيطالية، أن نظام الملالي يواجه أزمة وجودية متفاقمة، تتجلى في الانقسامات العميقة داخل أركانه، والعجز الاقتصادي، وتصاعد الصراع بين أجنحته، بالتزامن مع استعداد المجتمع الإيراني لاستئناف الانتفاضات. وشددت على أن القصف أو التدخل الأجنبي لن يسقط النظام، وأن التغيير الحقيقي لن يتحقق إلا على يد الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة، مؤكدة أن النظامرغم اعتماده على القمع والإعدامات والحروب والبرامج النووية والصاروخية، لن يتمكن من الصمود أمام تلاحم الانتفاضة الشعبية ووحدات المقاومة.
وفيما يلي نص كلمة السيدة مريم رجوي:
موضوع هذا المؤتمر الذي هو دراسة الوضع الحالي في إيران، يمثل في الواقع، التحدّي السياسي والجيوسياسي الأكثر إلحاحًا في عالم اليوم. ولا يكاد أحدٌ يشكّ في أنَّ التغيير في إيران سيُفضي إلى تحوّلاتٍ جوهرية على المستويين الإقليمي والعالمي.
في الوقت الحاضر، يصارع النظام الحاكم في إيران من أجل البقاء، بينما يواصل الشعب الإيراني، كما أثبت في انتفاضة يناير، سعيه الحثيث لإسقاط هذا النظام وتحقيق الديمقراطية وسيادة الشعب.
في الأشهر الأخيرة، يقيّم البعض عن طريق الخطأ أن النظام خرج من الحرب أقوى مما كان عليه. لكن هذا الادعاء يفتقر إلى أي رصيد سياسي، بل هو مجرد صدى لشعارات النظام واستعراضاته، حيث يحاول تصوير عدم سقوطه جراء الحرب كعلامة على القوة.
لقد أعلنّا منذ البداية أن القصف الأجنبي لن يؤدي إلى إسقاط النظام. إن إسقاط هذا النظام ممكن فقط على يد الشعب ومقاومته المنظمة. وتشهد الأدلة والحقائق الساطعة على أن النظام في مأزق لا منفذ له إلى الأمام ولا يملك القدرة على التراجع.
كلمة في مؤسسة إيناودي الإيطالية
— مریم رجوي (@Maryam_Rajavi_A) July 17, 2026
لن يتمكن نظام الملالي من الصمود في وجه الانتفاضة والمقاومة المنظمة
موضوع هذا المؤتمر الذي هو دراسة الوضع الحالي في إيران، يمثل في الواقع، التحدّي السياسي والجيوسياسي الأكثر إلحاحًا في عالم اليوم. يصارع النظام الحاكم في إيران من أجل البقاء، بينما… pic.twitter.com/eYntA9ipwP
أزمة في أركان النظام
منذ بداية الحرب في 28 فبراير 2026، استغل النظام بوضوح هذا الوضع كدرع لضمان بقائه. فمستغلا أجواء الحرب في البلاد، قام باعتقال الآلاف من الشباب المعارضين، وأعدم عددا كبيرا من المشاركين في انتفاضة يناير، بالإضافة إلى ثمانية من أعضاء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية.
وفي ظل هذه الظروف، أبقى على مرتزقة الباسيج في الشوارع عدة أشهر لسدّ الطريق أمام الانتفاضات، ومن خلال سلسلة من الحيل، بما في ذلك تعطيل عمل البرلمان الذي انتُقي أعضاؤه، حاول الحيلولة دون تفاقم الصراع بين أجنحة نظامه.
ومنذ إعلان وقف إطلاق النار، يتجلى عدم استقرار النظام يوما بعد يوم. وتعد الصراعات الداخلية في صفوف النظام من أهم ساحات هذا الانقسام. وقد كشفت هذه المواجهة، لا سيما حول توقيع مذكرة التفاهم مع أمريكا، عن صدع كبير في قمة هرم السلطة.
حتى في مراسم تشييع جنازة خامنئي في الأسبوع الماضي، والتي كان يفترض أن تكون مشهدا لاستعراض الوحدة، هتف عدد من أزلام النظام ضد بزشكيان وقاليباف بشعار “الموت للمساوم”، وقاموا برشق وزير خارجية النظام بالحجارة.
وبعد 24 ساعة من توقيع مذكرة التفاهم، أعلن زعيم النظام رسميا أنه كان له رأي آخر من حيث المبدأ. وحول هذه القضية ذاتها، انقسم مجلس الخبراء إلى شقين متواجهين. وهذا المجلس هو المسؤول عن تعيين الولي الفقيه للنظام. ومن بين 84 عضوا في مجلس الخبراء، اصطف 61 عضوا من خلال إصدار بيان ضد مذكرة التفاهم المذكورة. وقد امتد هذا الصدع ليصل إلى صفوف الحرس والباسيج وقادتهم.
ومؤخرا، حذر ممثل الولي الفقيه في قوات الحرس من “أي جدال” حول مذكرة التفاهم. وطالب قادة الحرس والباسيج بعدم اتهام كبار مسؤولي النظام بالخيانة. كما أن أئمة الجمعة التابعين للنظام – وهم أهم المسؤولين السياسيين والدينيين للحكومة في كل مدينة أو محافظة – أخذوا يلقون خطابات واحدا تلو الآخر ضد بنود المذكرة.
بدورها، أصبحت الإذاعة والتلفزيون الحكوميان منبرا ضد رئيس النظام الذي نصبه خامنئي. وتهدده أجنحة النظام بالموت، أو تصرح بأنها ستدمر مبنى وزارة الخارجية. إن هذه التصدعات ليست بداية لمعضلة جديدة، بل هي ذروة حرب الاستنزاف التي اجتاحت كيان النظام بأسره. ولذلك، فهي ليست أزمة عابرة، ولا يمكن تجاوزها، بل هي متجذرة في الأركان الوجودية للنظام، بدءا من ماهيته وصولا إلى استراتيجيته وسياسته.
عوامل التصدع والهشاشة في النظام
السؤال المطروح هو: لماذا وقع النظام في فخ هذه التصدعات، ولماذا يعجز عن احتوائها؟ يمكن الإشارة إلى عاملين رئيسيين:
العامل الأول: استعداد المجتمع الإيراني لاستئناف الانتفاضات.
العامل الثاني: الموقف المُهدَّد لهيمنة الولي الفقيه.
وفيما يتعلق بالعامل الأول، يجب الالتفات إلى أساسه، ألا وهو الصراع بين المجتمع الإيراني والنظام الحاكم. وينبع هذا الوضع من التناقض العميق بين الاستبداد الحاكم باسم الدين والشعب والمقاومة الإيرانية، ويتفاقم باستمرار مع تراكم المعضلات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
إن هذا الصراع هو ثمرة بحر من الدماء التي أريقت من جسد الشعب الإيراني، بما في ذلك إعدام ومجزرة 100 ألف من أعضاء هذه المقاومة، وقتل الشباب في الانتفاضات المتتالية.
علاوة على ذلك، تراكمت على مدى الـ 48 عاما الماضية كميات هائلة من الاضطرابات والخراب. ولم يتم تلبية أي من المطالب السياسية والاقتصادية لمختلف شرائح الشعب، وتم انتهاك الحقوق والحريات الأساسية لشعب بأكمله بشكل تام.
لقد فاقم خامنئي خلال فترة حكمه التي استمرت 37 عاما من جميع هذه المعضلات، وفي نهاية المطاف أنهى حكمه بقتل الآلاف من الأشخاص.
ونتيجة لذلك، تحول المجتمع الإيراني إلى بركان اجتماعي نشط يثور في سلسلة من الانتفاضات المستمرة، ولا يعرف الخمود منذ ٤ عقود. إن مسار هذه الانتفاضات، التي تندلع في كل مرة في مئات المدن الإيرانية، لم يترك مجالا للشك في أنها ستتغلب في نهاية المطاف على قوى القمع والقتل، وتسقط نظام ولاية الفقيه.
لا سيما وأن المقاومة المنظمة و”وحدات المقاومة” توجه هذه الانتفاضات نحو إسقاط النظام، وتجعلها في كل مرة أكثر تنظيما واستهدافا. هذه الوحدات التي تبلغ في تقدمها المتسارع مستوى وحدات جيش التحرير، تشكل اليوم القوة الحاسمة للتغيير في المجتمع الإيراني.
تصاعد الصراع بين أجنحة النظام
لقد احتدم الصراع في قمة النظام نظرا لأن أحد الأجنحة يطالب باتخاذ تدابير، مثل احتواء الاقتصاد المنهار، للحيلولة دون تفجر الانتفاضات. بينما يرى الطرف المقابل في أي إصلاح فتحا للطريق أمام الانتفاضات، ويعتقد أنه لا يمكن سد الطريق أمامها إلا من خلال الحرب والقمع. ولهذا السبب بالتحديد، وصل النظام إلى طريق مسدود بين خياري إنهاء الحرب أو استمرارها.
والعامل الآخر الذي دفع أجنحة النظام إلى المواجهة، هو موقف ابن خامنئي. فهو لم يتمكن من أن يصبح وليا للفقيه بعد موت والده إلا من خلال استغلال ظروف الحرب والطوارئ. حيث رفض ما لا يقل عن 40 ملا من أعضاء مجلس الخبراء البالغ عددهم ٨٤ عضوا التصويت لصالحه.
واعترف أحد أعضاء مجلس الخبراء بأنه في جلسة اختيار الولي الفقيه لم يتم حتى فرز الأصوات، بل إن أحد كبار أعضاء المجلس “ألقى نظرة سريعة” على الأصوات، وقال إن “مجلس الخبراء اختار مجتبى بأغلبية ساحقة”.
وكما كان الحال على مدى الـ 48 عاما الماضية، فإن ركيزة هيمنة الولي الفقيه تتمثل في القمع الداخلي، والبرنامج النووي، وتصدير الحرب والإرهاب. وفيما يخص هذا الأمر الخطير، يعتبر هو وجزء كبير من النظام أن أي مراجعة، ولو كانت طفيفة، لهذه الاستراتيجية هي خط أحمر لا يمكن تجاوزه. ويعتقدون أن أي تنازل سيعجل بإسقاط النظام. في حين يصر جزء آخر من النظام على أن استمرار الحرب وإثارة الصراعات هو ما سيعجل بإسقاط النظام.
اقتصاد مدمر ونظام عاجز
يجب الانتباه إلى أن الصراع في قمة النظام قد اشتعل في بيئة يشكل فيها استئناف الانتفاضات خطرا وشيكا على النظام. ولهذا السبب، ومنذ اندلاع الحرب الأخيرة، سارع النظام على الفور إلى نشر قوات الباسيج ومرتزقته في الشوارع، وأبقاهم فيها لعدة أشهر لمنع الشعب من الانتفاض. فهو يدرك جيدا أن العوامل الممهدة للانتفاضة قد تعززت أكثر من ذي قبل.
بدءا من غضب وحرقة قلوب الناس بعد مجزرة يناير المروعة، وصولا إلى الاستياء العميق في المجتمع بسبب الاعتقالات والإعدامات والقطع الطويل للإنترنت، وكذلك السياسات الاقتصادية الخيانية التي دمرت حياة الناس. وبشكل خاص فيما يتعلق بالاقتصاد الإيراني، ألفت انتباه الحضور الكريم إلى حقيقة أن نظام ولاية الفقيه قد أهدر فرصة ما يقرب من نصف قرن بعد الثورة المناهضة للشاه، والتي كان ينبغي تكريسها للتنمية الديمقراطية في إيران، من أجل بناء برنامجه النووي والمدن الصاروخية. ونتيجة لذلك، يعيش الاقتصاد الإيراني اليوم حالة من السقوط الحر.
منذ سنوات، يسجل نمو الناتج المحلي الإجمالي تراجعا سلبيا. ومنذ سنوات، فقد الاقتصاد الإيراني قدرته على خلق فرص العمل. وأصبحت العملة الإيرانية من أقل العملات قيمة في العالم. كما تعرضت البنية التحتية للبلاد للدمار. وانهارت البيئة الإيرانية في مجالات متعددة. وتواجه العديد من المدن، بما في ذلك العاصمة، نقصا حادا في المياه. هذا البلد الذي يطفو على بحر من النفط والغاز، بات عاجزا عن تأمين احتياجاته من الطاقة. وقد قام هذا النظام، من خلال وضع اقتصاد البلاد تحت سيطرة قوات الحرس والمؤسسات التابعة لخامنئي، بتدمير الطبقة الوسطى والقطاع الخاص المستقل.
ووفقا لتجربة طويلة، فإن هذا النظام ليس عاجزا فقط عن إجراء أي إصلاح في الساحة السياسية، بل هو غير قادر أيضا على التغيير والإصلاح في الاقتصاد الإيراني.
ونتيجة لذلك، حتى لو قفزت إيرادات النظام من مبيعات النفط، أو تم الإفراج عن الأصول المالية الإيرانية المجمدة وتسليمها له، فإن الظروف الاقتصادية للبلاد لن تتحسن. لأنه، وكما هو الحال دائما، سيتم إنفاق الجزء الأكبر من العائدات على تصنيع الصواريخ والطائرات المسيّرة وتمويل الميليشيات الوكيلة للنظام في المنطقة.
قبل ثلاثة أسابيع، قال بزشكيان، رئيس النظام: “لقد أعطينا القوة الجوفضائية التابعة لقوات الحرس 20 مليون برميل من النفط الذي كان ملكا للحكومة، لتتمكن من تجهيز نفسها” . وقبل ذلك، صرح شكارجي، المتحدث باسم الأركان العامة للقوات المسلحة، قائلا: “منذ حرب الـ 12 يوما، لم يتوقف خط إنتاج صواريخنا ولو للحظة واحدة” .
نعم، هذا مبدأ أساسي يتمثل في أن النظام لن يتخلى أبدا عن الاعتقالات والإعدامات والانتهاك المستمر لحقوق الإنسان، ولن يتخلى عن صنع القنبلة النووية ولا عن الحرب والإرهاب. ولكنه، في المقابل، لن يصمد أمام الانتفاضة والمقاومة المنظمة.
إن البديل الديمقراطي المتمثل في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية يناضل من أجل إرساء جمهورية ديمقراطية قائمة على سيادة الشعب، وفصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل، والحكم الذاتي للمكونات الوطنية، وإلغاء عقوبة الإعدام.
المصدر: موقع مريم رجوي


