الإعدام والحرب.. ركيزتا بقاء نظام الولي الفقيه في مواجهة الانتفاضة الشعبية
في ظل أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية متفاقمة، وعزلة دولية متزايدة، يواصل نظام الولي الفقيه في إيران الاعتماد على الإعدام والحرب باعتبارهما الأداتين الأساسيتين للحفاظ على بقائه. فالقضاء في إيران لا يعمل بوصفه سلطة مستقلة، وإنما يمثل إحدى أدوات السلطة الحاكمة؛ إذ تُستخدم المحاكم لإصدار أحكام الإعدام بحق المعارضين تحت عناوين مثل «الإخلال بالنظام العام» و«المساس بأمن البلاد».
ورغم تصاعد القمع، يواصل المجتمع الإيراني مقاومة الدكتاتورية بأشكال مختلفة، فيما تواصل وحدات المقاومة تنفيذ عمليات تستهدف مراكز القمع والأجهزة التابعة للنظام في مختلف المدن الإيرانية، في مؤشر على استمرار المواجهة الداخلية واتساعها.
استراتيجيتان متقابلتان
شهدت إيران، طوال سنوات حكم ولاية الفقيه، مواجهة مستمرة بين مشروعين متناقضين. الأول يقوم على ترسيخ الدكتاتورية عبر القمع، وإشعال الحروب، واستخدام القوة لضمان استمرار السلطة. أما الثاني، فيرفع شعار الحرية والديمقراطية وإنهاء الحكم الاستبدادي.
السلام حبل المشنقة لنظام ولاية الفقيه
في كلمة ألقتها يوم الخميس 16 يوليو/تموز 2026 أمام البرلمان الإيطالي، قدمت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمقاومة الإيرانية، قراءة شاملة للأزمة التي يعيشها نظام ولاية الفقيه، مؤكدة أن ما يجري في إيران لا يمكن فهمه باعتباره أزمة سياسية عابرة أو خلافاً تكتيكياً حول الحرب والمفاوضات، بل بوصفه مأزقاً وجودياً يمس طبيعة النظام وأسس بقائه. فالملالي، رغم ما تعرضوا له من ضربات وأزمات، لم يتراجعوا قيد أنملة عن استراتيجيتهم الأساسية القائمة على ثلاثة محاور مترابطة: قمع الشعب الإيراني، والسعي إلى امتلاك القنبلة النووية، وتصدير الحرب والإرهاب إلى دول المنطقة. وهذه ليست أدوات منفصلة أو سياسات يمكن تعديلها بالمساومة، بل أعمدة يعتمد عليها النظام في حماية بقائه.
مريم رجوي | نظام ولاية الفقيه | المقاومة الإيرانية | البرلمان الإيطالي

وخلال العقود الماضية، تمسك النظام بخيار الحروب والتوترات، مع استخدام المفاوضات عندما تخدم أهدافه في كسب الوقت وتخفيف الضغوط، بينما أكدت قوى المقاومة الإيرانية أن أي تفاوض مع النظام لا يمكن أن يقود إلى حل حقيقي، وأن مستقبل إيران لا يمكن أن يبنى في ظل استمرار الدكتاتورية.
وفي الوقت الذي يلجأ فيه النظام إلى إعدام الشباب الثائرين لبث الخوف في المجتمع، تواصل المقاومة دعوة الشباب إلى الانخراط في النضال من أجل الحرية. كما يوسع النظام انتشار قواته الأمنية ووحدات مكافحة الشغب لإحكام السيطرة على الشارع، في حين تستمر وحدات المقاومة في استهداف مراكز القمع، رغم ما تتحمله من تضحيات وخسائر.
لماذا يعتمد النظام على الإعدام والحرب؟
أكدت السيدة مريم رجوي أن النظام الإيراني يحاول من خلال تصعيد الإعدامات بحق أعضاء منظمة مجاهدي خلق والشباب المشاركين في الانتفاضات منع تصاعد الغضب الشعبي، إلا أن هذه السياسة، بحسب قولها، تزيد الشباب إصراراً على مواصلة النضال حتى إسقاط النظام.
وترى رجوي أن استمرار التوترات الخارجية يخدم السلطة الحاكمة، لأنها تستغل أجواء الحرب لتبرير الاعتقالات والإعدامات وتشديد القبضة الأمنية، وإبعاد المجتمع عن المطالبة بالتغيير. ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن يصف مؤسس النظام الحرب منذ بداياتها بأنها «نعمة إلهية».
وفي المقابل، تشير الوقائع إلى أن إنهاء الحروب الخارجية وحده لا يكفي لوقف انتهاكات حقوق الإنسان أو إنهاء حملات الإعدام أو معالجة الانهيار الاقتصادي، لأن هذه الأزمات ترتبط، بحسب هذا الطرح، بطبيعة النظام نفسه الذي يقوم على القمع ويرفض مبادئ الحرية والسلام.
انتقاد سياسة الاسترضاء الغربية
يوجه المقال انتقادات إلى ما يصفه بسياسات الاسترضاء الغربية، معتبراً أنها ساهمت في إطالة عمر النظام من خلال منح الأولوية لمصالح سياسية واقتصادية على حساب تطلعات الشعب الإيراني.
ويرى أن وجود المقاومة الإيرانية حال دون نجاح محاولات فرض بدائل مصطنعة أو تجاهل المطالب الشعبية، مؤكداً أن هذه المقاومة دفعت ثمناً باهظاً في سبيل الدفاع عن مشروع التغيير الديمقراطي.
كما يعتبر أن التغاضي عن الإعدامات والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، إلى جانب التقليل من دور المعارضة الإيرانية، شجع النظام على مواصلة سياساته القمعية، في حين بقيت الحرية والسلام محور المشروع الذي تطرحه المقاومة الإيرانية.
فولكر تورك: النظام الإيراني يستغل الإعدامات لإشاعة الرعب وقمع المعارضة في إيران
في تصريح صادر عن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك ، ونشره الموقع الرسمي لمكتب المفوض السامي (OHCHR)، أعرب تورك عن قلقه البالغ إزاء الارتفاع الحاد في أحكام وإعدامات السلطات في إيران منذ مارس الماضي. وأكد المسؤول الأممي أن النظام الإيراني يواصل استخدام عقوبة الإعدام كأداة ترهيبية لإشاعة الخوف والذعر بين أطياف المجتمع وقمع أي شكل من أشكال المعارضة والتظاهر، داعياً السلطات الإيرانية بشكل عاجل إلى الوقف الفوري لكافة الإعدامات والتحرك الجدي نحو إلغاء عقوبة الإعدام نهائياً.
فولكر تورك | الإعدامات في إيران | حقوق الإنسان | قمع المعارضة

محطات في سجل النظام
يتناول المقال عدداً من أبرز المحطات التي يعتبرها شاهدة على طبيعة النظام، من بينها:
- قمع الحريات العامة وتنفيذ الإعدام الجماعي لأكثر من 30 ألف سجين سياسي عام 1988.
- تنفيذ عمليات الاغتيال التي استهدفت معارضين ومثقفين خلال تسعينيات القرن الماضي.
- قمع الاحتجاجات الشعبية في أعوام 2009 و2017 و2019 و2022 و2026، إلى جانب مواصلة البرامج النووية والصاروخية والتدخلات الإقليمية.
- استمرار الاعتقالات والتعذيب والإعدامات والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، بالتوازي مع إشعال الصراعات خارج الحدود، بما في ذلك تصعيد عمليات الإعدام بحق المعارضين عقب الانتفاضات الأخيرة.
إسقاط النظام بوصفه طريق الاستقرار
يخلص المقال إلى أن الإعدام والحرب يمثلان ركيزتين أساسيتين في استراتيجية بقاء نظام الولي الفقيه، وأن السلطة تستخدمهما لإحكام السيطرة على الداخل وإدامة نفوذها الخارجي. ويرى أن النظام لا يستطيع التعايش مع السلام والحرية، لأنهما يقوضان الأسس التي يقوم عليها.
ويؤكد أن تحقيق الأمن والاستقرار في إيران والمنطقة لا يمكن أن يتم، وفق هذا الطرح، إلا من خلال إنهاء حكم ولاية الفقيه وإفساح المجال أمام الشعب الإيراني لتقرير مستقبله عبر مشروع ديمقراطي يضع حداً لعقود من الاستبداد والصراع.


